ابراهيم بن عمر البقاعي

54

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

معنى الإيتاء ، فهو إيتاء للعرب ونزع من العجم ، كما ورد أن كسرى رأى في منامه أنه يقال له : سلم ما بيدك لصاحب الهراوة ، فنزع ملك الملوك من الأكاسرة والقياصرة وخوّله قريشا ومن قام بأمرها وانتحل الملك باسمها من صنوف الأمم غربا وشرقا وجنوبا وشمالا ، إلى ما يتم به الأمر في الختم ، والعز - واللّه سبحانه وتعالى أعلم - عزة اللّه سبحانه وتعالى لأهله ولآل نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم والأنصار والصلحاء من صحابته وعشيرته وأبنائهم وذرياتهم الذين سلبهم اللّه ملك الدنيا فحلاهم بعز الآخرة وبعزة الدين كما قال سبحانه وتعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ المنافقون : 8 ] ليكون في الخطاب إنباء بشرى لهم أنه أتاهم من العز بالدين ما هو خير من الشرف بملك الدنيا مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً [ فاطر : 10 ] فالملوك وإن تشرفوا بملك الدنيا فليس لهم من عزة الدين شيء ، أعزهم اللّه سبحانه وتعالى بالدين ، تخدمهم الأحرار وتتوطد لهم الأمصار ، لا يجدون وحشة ، ولا يحصرون في محل ، ولا تسقط لهم حرمة حيث ما حلوا وحيث ما كانوا ، استتروا أو اشتهروا ، والمتلبسون بالملك لا يخدمهم إلا من استرقوه قهرا ، يملكون تصنع الخلق ولا يملكون محاب قلوبهم ، محصورون في أقطار ممالكهم ، لا يخرجون عنها ولا ينتقلون منها حتى يمنعهم من كمال الدين ، فلا ينصرفون في الأرض ولا يضربون فيها ، حتى يمتنع ملوك من الحج مخافة نيل الذل في غير موطن الملك ، واللّه عز وجل يقول : « إن عبدا أصححت له جسمه ، وأوسعت عليه في رزقه ، يقيم خمسة أعوام لا يفد على المحروم » « 1 » فالملوك مملوكون بما ملكوا ، وأعزاء اللّه ممكنون فيما إليه وجهوا ، لا يصدهم عن تكملة أمر الدين وإصلاح أمر الآخرة صادّ ، ولا يردهم عنه راد لخروجهم من سجن الملك إلى سعة العز بعزة اللّه سبحانه وتعالى ، فقارض اللّه أهل بيت نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي عنهم ، ومن لم يرضه للملك بعز الإمامة ورفعة الولاية والاستيلاء على محاب القلوب فاسترعاهم اللّه قلوب العالمين بما استرعى الملوك بعض حواس المستخدمين والمستتبعين ، والذل مقابل ذلك العزة ، فإذا كان ذلك العز عزا دينيا ربانيا عوضا عن سلب الملك كان هذا الذل - واللّه تعالى أعلم -

--> ( 1 ) جيد . أخرجه عبد الرزاق 8826 وابن حبان 3703 والبيهقي 5 / 262 والخطيب في تاريخه 8 / 328 كلهم من حديث أبي سعيد الخدري . وإسناده على شرط مسلم . وذكره الهيثمي في المجمع 3 / 206 وقال : رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجال الجميع رجال الصحيح ا ه . وورد من حديث أبي هريرة بلفظ : « قال اللّه تعالى : إن من أصححته ووسعت عليه ، ولم يزرني في كل خمسة أعوام عاما لمحروم » أخرجه ابن عدي في الكامل 4 / 78 والبيهقي 5 / 262 والعقيلي في الضعفاء 2 / 206 ، 207 وفي إسناده صدقة بن يزيد ضعفه أحمد وقال أبو حاتم : صالح وقال أبو زرعة : ثقة .