ابراهيم بن عمر البقاعي
538
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس الصالحة الناظرة للورع المتحرك للسؤال عنه ، وهو من مات منهم وهو يفعلهما ، قال جوابا لذلك السؤال : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا أي تصديقا لإيمانهم الصَّالِحاتِ جُناحٌ فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم يكونوا منعوا منهما ، وكانوا مؤمنين عاملين للصالحات متقين لما يسخط الرب من المحرمات ، وقد بين ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : « حرمت الخمر ثلاث مرات : قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، فسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، فأنزل اللّه تعالى على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [ البقرة : 219 ] ، فقال الناس : لم يحرم علينا ، إنما قال : إن فيهما إثما ، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين المغرب فخلط في قراءته ، فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق ، فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ [ المائدة : 90 ] ، فقالوا : انتهينا يا رب ! وقال الناس : يا رسول اللّه ! ناس قتلوا في سبيل اللّه أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله اللّه رجسا من عمل الشيطان ! فأنزل اللّه لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ [ المائدة : 93 ] ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم » « 1 » ولا يضر كونه من رواية أبي معشر وهو ضعيف لأنه موافق لقواعد الدين ، وروى الشيخان عن أنس رضي اللّه عنه قال : « كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة رضي اللّه عنه وما شرابهم إلا الفضيخ : البسر والتمر ، وإذا مناد ينادي : ألا ! إن الخمر قد حرمت ، فقال لي أبو طلحة رضي اللّه عنه : اخرج فاهرقها ، فهرقتها ، فقال بعض القوم : قد قتل فلان وفلان وهي في بطونهم ؟ فأنزل اللّه تعالى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ « 2 » على أنه لو لم يرد هذا السبب كانت المناسبة حاصلة ، وذلك أنه تعالى لما أباح الطيب من المأكل وحرم الخبيث من المشرب ، نفى الجناح عمن يأكل ما أذن فيه أو يشرب عدا ما حرمه . فأتى بعبارة تعم المأكل والمشرب فقال : فِيما طَعِمُوا أي مأكلا كان أو مشربا ، وشرط ذلك عليهم بالتقوى ليخرج المحرمات فقال : إِذا مَا اتَّقَوْا أي أوقعوا جميع التقوى التي تطلب منهم فلم يطعموا محرما .
--> ( 1 ) حسن . أخرجه أحمد 2 / 352 في المسند من حديث أبي هريرة بطوله ، وفي إسناده أبو معشر ضعيف وورد بنحوه من حديث البراء أخرجه الطيالسي 517 وصححه ابن كثير 2 / 99 . وورد عن زيد بن علي مرسلا أخرجه الطبري 4148 . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 6464 ومسلم 1980 وأبو داود 3673 وأحمد 3 / 237 كلهم من حديث أنس بن مالك .