ابراهيم بن عمر البقاعي
534
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وثلث مِنْ أَوْسَطِ ما كان عادة لكم أنكم تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أي من أعدله في الجودة والقدر كمية وكيفية ، فهو مد جيد من غالب القوت ، سواء كان من الحنطة أو من التمر أو غيرهما . ولما بدأ بأقل ما يكفي تخفيفا ورحمة ، عطف على الإطعام ترقيا قوله : أَوْ كِسْوَتُهُمْ أي بثوب يغطي العورة من قميص أو إزار أو غيرهما مما يطلق عليه اسم الكسوة أَوْ تَحْرِيرُ أي إعتاق رَقَبَةٍ أي مؤمنة سليمة عما يخل بالعمل - كما تقدم في كفارة القتل - حملا لمطلق الكفارات على ذلك المقيد ، ولأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما استأذنه أحد في إعتاق رقبة في كفارة إلا اختبر إيمانها ، هذا ما على المكلف على سبيل التخيير من غير تعيين . والتعيين إليه إذا كان واجدا للثلاثة أو لأحدها ، والإتيان بأحدها مبرىء من العهدة ، لأن كل واحد من الثلاثة بعينه أخص من أحدها على الإبهام ، والإتيان بالخاص يستلزم الإتيان بالعام فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي واحدا منها فاضلا عن قوته وقوت من تلزمه مؤنته فَصِيامُ أي فالكفارة صيام ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ولو متفرقة . ولما تم ذلك . أكده في النفوس وقرره بقوله : ذلِكَ أي الأمر العدل الحسن الذي ذكر كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ أي المعقدة إِذا حَلَفْتُمْ وأردتم نكثها سواء كان ذلك قبل الحنث أو بعده . ولما كان التقدير : فافعلوا ما قدرتم عليه منه ، عطف عليه لئلا تمتهن الأيمان لسهولة الكفارة قوله : وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ أي فلا تحلفوا ما وجدتم إلى ذلك سبيلا ، ولا تجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم ، فإنه سبحانه عظيم ، ومن أكثر الحلف وقع في المحذور ولا بد ، وإذا حلفتم فلا تحنثوا دون تكفير ، ويجوز للمكفر الجمع بين هذه الخصال كلها واستشكل ، وحلّه بما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في التلويح في بحث أو : والمشهور في الفرق بين التخيير والإباحة أنه يمتنع في التخيير الجمع ولا يمتنع في الإباحة ، لكن الفرق هاهنا أنه لا يجب في الإباحة الإتيان بواحد وفي التخيير يجب ، وحينئذ إن كان الأصل فيه الحظر وثبت الجواز بعارض الأمر - كما إذا قال : بع من عبيدي هذا أو ذاك - يمتنع الجمع ويجب الاقتصار على الواحد . لأنه المأمور به . وإن كان الأصل فيه الإباحة ووجب بالأمر واحد - كما في خصال الكفارة - يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية ، وهذا يسمى التخيير على سبيل الإباحة - انتهى . ولما اشتملت هذه الآيات من البيان على ما يدهش الإنسان كان كأنه قيل : هل يبين كل ما يحتاج إليه هكذا ؟ فنبه من هذه الغفلة بقوله : كَذلِكَ أي مثل هذا البيان