ابراهيم بن عمر البقاعي
522
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
دعواهم الإيمان والحال أنهم لو كانُوا أي كلهم يُؤْمِنُونَ أي يوجد منهم إيمان بِاللَّهِ أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة بكل شيء وَالنَّبِيِّ أي الذي له الوصلة التامة باللّه ، ولذا أتبعه قوله : وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ أي من عند اللّه أعم من القرآن وغيره إيمانا خالصا من غير نفاق مَا اتَّخَذُوهُمْ أي المشركين مجتهدين في ذلك أَوْلِياءَ لأن مخالفة الاعتقاد تمنع الوداد ، فمن كان منهم باقيا على يهوديته ظاهرا وباطنا ، فالألف في « النبي » لكشف سريرته للعهد ، أي النبي الذي ينتظرونه ويقولون : إنه غير محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أو للحقيقة - أي لو كانوا يؤمنون بهذه الحقيقة - أي حقيقة النبوة - ما والوهم ، فإنه لم يأت نبي إلا بتكفير المشركين - كما أشار إلى ذلك صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله « الأنبياء أولاد علات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد » « 1 » كما سيأتي قريبا في حديث أبي هريرة ، يعني - واللّه أعلم - أن شرائعهم وإن اختلفت في الفروع فهي متفقة في الأصل وهو التوحيد ، ومن كان منهم قد أظهر الإيمان فالمراد بالنبي في إظهار زيغه وميله وحيفه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنه نهى عن موالاة المشركين ، بل عن متاركتهم ، ولم يرض إلا بمقارعتهم ومعاركتهم . ولما أفهمت الشرطية عدم إيمانهم ، استثنى منها منبها بوضع الفسق موضع عدم الإيمان على أنه الحامل عليه فقال : وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي متمكنون في خلق المروق من دوائر الطاعات . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 82 إلى 85 ] لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 82 ) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 ) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 ) ولما دل كالشمس ميلهم إلى المشركين دون المؤمنين على أنهم في غاية العداوة لهم ، صرح تعالى بذلك على طريق الاستنتاج ، فقال دالا على رسوخهم في الفسق : * لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ أي كلهم عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا أي أظهروا الإقرار بالإيمان فكيف بالراسخين فيه الْيَهُودَ قدمهم لأنهم أشد الفريقين لأنه لا أقبح من ضال على علم وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا لما جمعهم من الاستهانة بالأنبياء هؤلاء جهلا وأولئك عنادا
--> ( 1 ) يأتي تخريجه قريبا .