ابراهيم بن عمر البقاعي

521

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

بزيادة تهديد ، لأنهم مع كونهم على المنكر لا ينهون غيرهم عنه ، مع أنهم أجدر من غيرهم بالنهي ، فصاروا عليّ منكرين شديدي الشناعة ، وسكوتهم عن النهي مغو لأهل الفساد ومغر لهم ولغيرهم على الدخول فيه والاستكبار منه فقال تعالى : كانُوا لا يَتَناهَوْنَ أي لا ينهى بعضهم بعضا ، وبين إغراقهم في عدم المبالاة بالتنكير في سياق النفي فقال : عَنْ مُنكَرٍ . ولما كان الفعل ما كان من الأعمال عن داهية من الفاعل سواء كان عن علم أو لا ، عبر به إشارة إلى أن لهم في المناكر غرام من غلبته الشهوة ، ولم يبق لهم نوع علم ، فقال : فَعَلُوهُ ؛ ولما كان من طبع الإنسان النهي عن كل ما خالفه طبعا أو اعتقادا ، لا سيما إن تأيد بالشرع ، فكان لا يكف عن ذلك إلا بتدريب النفس عليه لغرض فاسد أداه إليه ، أكد مقسما معبرا بالفعل الذي يعبر به عما قد لا يصحبه علم ولا يكون إلا عن داهية عظيمة فقال : لَبِئْسَ ما كانُوا أي جبلة وطبعا يَفْعَلُونَ * إشارة إلى أنهم لما تكررت فضائحهم وتواترت قبائحهم صاروا إلى حيز ما لا يتأتى منه العلم . ولما أخبر بإقرارهم على المناكر ، دل على ذلك بأمر ظاهر منهم لازم ثابت دائم مقوض لبنيان دينهم ، فقال موجها بالخطاب لأصدق الناس فراسة وأوفرهم علما وأثبتهم توسما وفهما : تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ أي من أهل الكتاب ؛ ولما كان الإنسان لا ينحاز إلى حزب الشيطان إلا بمنازعة الفطرة الأولى السليمة ، أشار إلى ذلك بالتفعل فقال : يَتَوَلَّوْنَ أي يتبعون بغاية جهدهم الَّذِينَ كَفَرُوا أي المشركين مجتهدين في ذلك مواظبين عليه ، وليس أحد منهم ينهاهم عن ذلك ولا يقبحه عليهم ، مع شهادتهم عليهم بالضلال هم وأسلافهم إلى أن جاء هذا النبي الذي كانوا له في غاية الانتظار وبه في نهاية الاستبشار ، وكانوا يدعون الإيمان به ثم خالفوه ، فمنهم من استمر على المخالفة ظاهرا وباطنا ، ومنهم من ادعى أنه تابع واستمر على المخالفة باطنا ، فكانت موالاته للمشركين دليلا على كذب دعواه ومظهرة لما أضمره من المخالفة وأخفاه . ولما كان ذلك منهم ميلا مع الهوى بغير دليل أصلا قال : لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ أي تقديم النزل للضيف لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي التي من شأنها الميل مع الهوى ، ثم بين المخصوص بالذم - وهو ما قدمت - بقوله : أَنْ سَخِطَ اللَّهُ أي وقع سخطه بجميع ما له من العظمة عَلَيْهِمْ ولما كان من وقع السخط عليه يمكن أن يزول عنه ، قال مبينا أن مجرد وقوعه جدير بكل هلاك : وَفِي الْعَذابِ أي الكامل من الأدنى في الدنيا والأكبر في الآخرة هُمْ خالِدُونَ * . ولما كان هذا دليلا على كفرهم ، دل عليه بقوله : وَلَوْ أي فعلوا ذلك مع