ابراهيم بن عمر البقاعي
514
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
القدس لا يترك له في هذا الدهر ولا في الآتي ، إما أن تصيروا الشجرة الجيدة وثمرتها جيدة ، وإما أن تصيروا الشجرة الرديئة وثمرتها رديئة ، لأن من الثمرة تعرف الشجرة ، يا أولاد الأفاعي ! كيف تقدرون أن تتكلموا بالصلاح وأنتم أشرار ! إنما يتكلم الفم من فضل ما في القلب ، الرجل الصالح من كنزه الصالح يخرج الصلاح ، والرجل الشرير من كنزه الشرير يخرج الشر ، أقول لكم : إن كل كلمة يتكلم بها الناس بطالة يعطون عنها جوابا في يوم الدين ، لأنك من كلامك تبرّر ، ومن كلامك يحكم عليك . وفي إنجيل لوقا : وفيما هو يتكلم إذ رفعت امرأة من الجمع صوتها وقالت : طوبى لبطن التي حملتك ، ولثدي التي أرضعتك ، فقال لها : مهلا ! طوبى لمن يسمع كلام اللّه ويحفظه - انتهى . حينئذ أجابه قوم من الكتبة والفريسيين قائلين : نريد يا معلم أن ترينا آية ، أجابهم وقال لهم : الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا يعطي آية إلا آية يونان النبي ؛ قال لوقا : فكما كان في يونان آية لأهل نينوى ، كذلك يكون ابن الإنسان لهذا الجيل آية - انتهى . رجال نينوى يقومون في الحكم ويحاكمون هذا الجيل ، لأنهم تابوا بكريزة يونان - وقال لوقا : بإنذار يونان - وههنا أفضل من يونان ، ملكة التيمن تقوم في الحكم مع هذا الجيل وتحاكمه ، لأنها أتت من أقصى الأرض لتسمع من حكمة سليمان ، وههنا أفضل من سليمان ، إن الروح النجس إذا خرج من الإنسان يأتي أمكنة ليس فيها ماء ، يطلب راحة فلا يجد ، فيقول حينئذ : أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه ، فيأتي فيجد المكان فارغا مكنوسا مزينا ، فيذهب حينئذ ويأخذ معه سبعة أرواح أخر شرا منه ويأتي ويسكن هناك ، فتصير آخرة ذلك الإنسان شرا من أوليته ، وهكذا يكون لهذا الجيل الشرير - انتهى . والتجديف هو الكفر بالنعم ، ويونان : يونس عليه السّلام ، والكريزة - بينها لوقا بأنها الإنذار ، والتيمن : اليمن ، والأركون - بضم الهمزة والكاف بينهما راء مهملة ساكنة : الكبير ، ويروشليم - بفتح التحتانية وضم المهملة ثم شين معجمة : بيت المقدس ، وباعل زبول - بموحدة وعين مهملة وزاي وموحدة . هذا الدليل على التوحيد وأن الشركة في الإلهية لا تصح أصلا ، وأما الدليل على عدم شركة كل من عيسى وأمه عليهما السّلام بخصوصهما فسيأتي تقريره بقوله تعالى كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [ المائدة : 75 ] والمراد من ذلك كله أنه متى دخلت الشركة أتى النقص فعلا أو إمكانا ، ومن اعترته شائبة نقص لم يصح كونه إلها . ولما أخبر أنهم كفروا ، وأشار إلى نقض قولهم ، كان أنسب الأشياء بعده أن يعطف عليه ترهيبهم ثم ترغيبهم فقال تعالى : وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا أي الكفرة بجميع أصنافهم عَمَّا يَقُولُونَ أي من هاتين المقالتين وما داناهما لَيَمَسَّنَّ أي مباشرة من