ابراهيم بن عمر البقاعي
504
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ما أنزل إليك - انتهى . ولقد وفى سبحانه بما ضمن ومن أوفى منه وعدا وأصدق قيلا ! فلما أتم الدين وأرغم أنوف المشركين ، أنفذ فيه السم الذي تناوله بخيبر قبل سنين فتوفاه شهيدا كما أحياه سعيدا ؛ روى الشيخان : البخاري في الهبة ، ومسلم في الطب ، وأبو داود في الديات عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه « أن امرأة يهودية أتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشاة مسمومة فأكل منها ، فجيء بها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسألها عن ذلك فقالت : أردت لأقتلك ، فقال : ما كان اللّه ليسلطك على ذلك - أو قال : عليّ - فقالوا : ألا تقتلها ؟ قال : لا ، فما زلت أعرفها في لهوات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » « 1 » قال أبو داود : هي أخت مرحب اليهودي ، قال الحافظ عبد العظيم المنذري في مختصر سنن أبي داود : وذكر غيره أنها بنت أخي مرحب أن اسمها زينب بنت الحارث ، وذكر الزهري أنها أسلمت ، ولأبي داود والدارمي - وهذا لفظه - عن أبي سلمة - وهو ابن عبد الرحمن بن عوف - قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأكل الهدية ولا يقبل الصدقة ، فأهدت له امرأة من يهود خيبر شاة مصلية فتناول منها ، وتناول منها بشر بن البراء ، ثم رفع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يده ثم قال : إن هذه تخبرني أنها مسمومة ، فمات بشر بن البراء رضي اللّه عنه ، فأرسل إليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ فقالت : إن كنت نبيا لم يضرك شيء ، وإن كنت ملكا أرحت الناس منك ، قال أبو داود : فأمر بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقتلت . زاد الدارمي : فقال في مرضه : ما زلت من الأكلة التي أكلت بخيبر ، فهذا أوان انقطاع أبهري » « 2 » وهذا مرسل . قال البيهقي : ورويناه عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، قال البيهقي : ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء ، ثم لما مات بشر أمر بقتلها . وقصة هذه الشاة عن أبي هريرة « 3 » رواها البخاري في الجزية والمغازي والطب ، والدارمي في أول المسند بغير هذا السياق - كما مضى في البقرة في قوله تعالى وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] وقد مضى في أول هذه السورة عند قوله فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ المائدة : 13 ] شيء منه . ولأبي داود والدارمي عن ابن شهاب قال : « كان جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذراع فأكل منها ، وأكل رهط من أصحابه معه ، ثم قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ارفعوا
--> ( 1 ) تقدم تخريجه عند وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ في هذه السورة . ( 2 ) أخرجه أبو داود 4511 والدارمي 1 / 32 ، 33 كلاهما عن أبي سلمة مرسلا ، وقد تقدم تخريجه في أوائل سورة المائدة . ( 3 ) تقدم حديث أبي هريرة في سورة البقرة عند قوله تعالى : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ . . . .