ابراهيم بن عمر البقاعي
502
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بناتكم ، وأخرب منازلكم ، وأفرقكم بين الأمم ، وتخرب قراكم ، فحينئذ تهوى الأرض أسباتها ، وتسبت كل أيام وحشتها ما لم تسبت حيث كنتم فيها عصاة لا تسبتون ، والذين يبقون منكم ألقي في قلوبهم فزعة ، ويطردهم صوت ورقة تحرك ، ويهربون من صوت الورقة كما يهربون من السيف ، ويعنفون بإثمهم ويعاقبون بإثم آبائهم ، ومن بعد ذلك تنكسر قلوبهم الغلف . ولما كان ما مضى من ذمهم ربما أفهم أنه لكلهم ، قال مستأنفا جوابا لمن يسأل عن ذلك : مِنْهُمْ أي أهل الكتاب أُمَّةٌ أي جماعة هي جديرة بأن تقصد مُقْتَصِدَةٌ أي مجتهدة في العدل لا غلو ولا تقصير ، وهم الذين هداهم اللّه للإسلام بحسن تحريهم واجتهادهم وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أي بني إسرائيل ساءَ ما يَعْمَلُونَ * أي ما أسوأ فعلهم الذي هم فيه مستمرون على تجديده ، ففيه معنى التعجيب ، والتعبير بالعمل لأنهم يزعمون أنه لا يصدر منهم إلا عن علم ، وهم الذين حرفوا الكلم عن مواضعه ، وارتكبوا العظائم في عداوة اللّه ورسوله . ولما أتم ذلك سبحانه وعلم منه أن من أريدت سعادته يؤمن ولا بد ، ومن أريدت شقاوته لا يؤمن أصلا ، ومن أقام ما أنزل عليه سعد ، ومن كفر بشيء منه شقي ، وكان ذلك ربما فتر عن الإبلاغ ، قرن بقوله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [ المائدة : 41 ] قوله حاثا على الإبلاغ لإسعاد من أريد للسعادة ، وهم الأمة المقتصدة منهم وإن كانوا قليلا ، وكذا إبلاغ جميع من عداهم : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ أي الذي موضوع أمره البلاغ بَلِّغْ أي أوصل إلى من أرسلت إليهم ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي كله مِنْ رَبِّكَ أي المحسن إليك بإنزاله غير مراقب أحدا ، ولا خائف شيئا ، لتعلم ما لم تكن تعلم ، ويهدي على يدك من أراد اللّه هدايته ، فيكون لك مثل أجره . ولما كان إبلاغ ما يخالف الأهواء من الشدة على النفوس بمكان لا يعلمه إلا ذوو الهمم العالية والأخلاق الزاكية ، كان المقام شديد الاقتضاء لتأكيد الحث على الإبلاغ ، فدل على ذلك بالاعتراض بين الحال والعامل فيها ، بالتعبير بالفعل الدال على داعية هي الردع بأن قال : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ أي وإن لم تبلغ جميع ذلك ، أو إن لم تعمل به فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ لأن من المعلوم أن ما تقع على كل جزء مما أنزل ، فلو ترك منه حرف واحد صدق نفي البلاغ لما أنزل ، ولأن بعضها ليس بأولى بالإبلاغ من بعض ، فمن أغفل شيئا منها فكأنه أغفل الكل ، كما أن من لم يؤمن ببعضها لم يؤمن بكلها ، لإدلاء كل منها بما يدليه الآخر ، فكانت لذلك في حكم شيء واحد ، والمعنى : فلنجازينك ، ولكنه كنى بالسبب عن المسبب إجلالا له صلّى اللّه عليه وسلّم وإفادة لأن المؤاخذة تقع على الكل ، لأنه ينتفي بانتفاء الجزء .