ابراهيم بن عمر البقاعي

50

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

كثرة أفراد هذا الفريق : وَهُمْ مُعْرِضُونَ * بما سلبوه من ذلك التردد والتكلف ، فصار وصفا لهم بعد أن كان تعملا ، ما أنكر منكر حقا وهو يعلمه إلا سلبه اللّه تعالى علمه حتى يصير إنكاره له بصورة وبوصف من لم يكن قط علمه - انتهى . وفي هذا تحذير لهذه الأمة من الوقوع في مثل ذلك ولو بأن يدعى أحدهم من حسن إلى أحسن منه - نبه عليه الحرالي وقال : إذ ليس المقصود حكاية ما مضى فقط ولا ما هو كائن فحسب ، بل خطاب القرآن قائم دائم ماض كلية خطابه في غابر اليوم المحمدي مع من يناسب أحوال من تقدم منهم ، وفي حق المرء مع نفسه في أوقات مختلفة - انتهى . ثم علل اجتراءهم على اللّه تعالى فقال : ذلِكَ أي الإعراض البعيد عن أفعال أهل الكرم المبعد من اللّه بِأَنَّهُمْ قالُوا كذبا على اللّه - كما تقدم بيانه في سورة البقرة لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً ولما كان المقام هنا لتناهي اجترائهم على العظائم لاستهانتهم بالعذاب لاستقصارهم لمدته والتصريح بقتل الآمرين بالقسط عامة وبحبوط الأعمال ، وكان جمع القلة قد يستعار للكثرة أكدت إرادتهم حقيقة القلة بجمع آخر للقلة ، فقيل على ما هو الأولى من وصف جمع القلة لما لا يعقل بجمع جبرا له : مَعْدُوداتٍ وتطاول الزمان وهم على هذا الباطل حتى آنسوا به واطمأنوا إليه لأنه ما كذب أحد بحق إلا عوقب بتصديقه بباطل ، وما ترك قوم سنة إلا أحيوا بدعة ، على أن كذبهم أيضا جرهم إلى الاستهانة بعذاب اللّه الذي لا يستهان بشيء منه ولو قل . ولما نسبوا ذلك إلى الكتاب فجعلوه دينا قال : وَغَرَّهُمْ قال الحرالي : من الغرور وهو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة - انتهى . فِي دِينِهِمْ ما كانُوا أي بما هيؤوا له وجبلوا عليه يَفْتَرُونَ * أي يتعمدون كذبه ، قال الحرالي : فتقابل التعجيبات في ردهم حق اللّه سبحانه وتعالى وسكونهم إلى باطلهم - انتهى . ولما تسبب عن اجترائهم بالكذب على اللّه أن يسأل عن حالهم معه قال صارفا القول إلى مظهر العظمة المقتضي للمجازاة والمناقشة : فَكَيْفَ أي يكون حالهم إِذا جَمَعْناهُمْ أي وقد رفعنا حجاب العظمة وشهرنا سيف العزة والسطوة . ولما كان المقصود بالجمع الجزاء قال : لِيَوْمٍ ووصفه بقوله : لا رَيْبَ فِيهِ مشعر - كما قال الحرالي - بأنهم ليسوا على طمأنينة في باطلهم بمنزلة الذي لم يكن له أصل كتاب ، فهم في ريبهم يترددون إلى أن يأتي ذلك اليوم . ولما كان الجزاء أمرا متحققا لا بد منه أشار إليه بصيغة الماضي في قوله : وَوُفِّيَتْ والبناء للمفعول للإفهام بسهولة ذلك عليه وإن كان يفوت الحصر ، وتأنيث الفعل للإشارة إلى دناءة النفوس وضعفها ، وقوله : كُلُّ نَفْسٍ قال الحرالي : الفصل