ابراهيم بن عمر البقاعي
495
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
قَدْ خَرَجُوا بِهِ أي الكفر بعد دخولهم ورؤية ما رأوا من الخير ، دالا على قوة عنادهم بالجملة الاسمية المفيدة للثبات ، وذكر المسند إليه مرتين ، وهم بما أظهروا يظنون أنه يخفي ما أضمروا . ولما كان في قلوبهم من الفساد والمكر بالإسلام وأهله ما يطول شرحه ، نبه عليه بقوله : وَاللَّهُ أي المحيط بجميع صفات الكمال وبكل شيء علما وقدرة أَعْلَمُ أي منهم وممن توسم فيهم النفاق بِما كانُوا أي بما في جبلاتهم من الدواعي العظيمة للفساد يَكْتُمُونَ * أي من هذا وغيره في جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم . ولما كذبهم في دعوى الإيمان ، أقام سبحانه الدليل على كفرهم فقال مخاطبا لمن له الصبر التام ، مفيدا أنه أطلعه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما يعلم منهم مما يكتمونه من ذلك تصديقا لقوله تعالى وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ إطلاعا هو كالرؤية ، عاطفا على ما تقديره : وقد أخبرنا غيرك من المؤمنين بما نعلم منهم من ذلك ، وأما أنت فترى ما في قلوبهم بما آتيناك من الكشف : وَتَرى أي لا تزال يتجدد لك ذلك كَثِيراً مِنْهُمْ أي اليهود والكفار منافقهم ومصارحهم . ولما كان التعبير بالعجلة لا يصح هنا ، لأنها لا تكون إلا في شيء له وقتان : وقت لائق ، ووقت غير لائق ، والإثم لا يتأتى فيه ذلك ، قال : يُسارِعُونَ أي يفعلون في تهالكهم على ذلك فعل من يناظر خصما في السرعة فيما هو فيه محق وعالم بأنه في غاية الخير ، وكان الموضع لأن يعبر بالضمير فيقال : فيه - أي الكفر ، فعبر عنه تعميما وتعليقا للحكم بالوصف إفادة لأن كفرهم عن حيلة هي في غاية الرداءة بقوله : فِي الْإِثْمِ أي كل ما يوجب إثما من الذنوب ، وخص منه أعظمه فقال : وَالْعُدْوانِ أي مجاوزة الحد في ذلك الذي أعظمه الشرك ، ثم حقق الأمر وصوّره بما يكون لوضوحه دليلا على ما قبله من إقدامهم على الحرام الذي لا تمكن معه صحة القلب أصلا ولا يمكنهم إنكاره فقال : وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ أي الحرام الذي يستأصل البركة من أصلها فيمحقها ، ومنه الرشوة ، وكان هذا دليلا على كفرهم لأنهم لو كانوا مؤمنين ما أصروا على شيء من ذلك ، فكيف بجميعه ! فكيف بالمسارعة فيه ! ولذلك استحقوا غاية الذم بقوله : لَبِئْسَ ما كانُوا ولما كانوا يزعمون العلم ، عبر عن فعلهم بالعمل فقال : يَعْمَلُونَ * . ولما كان المنافقون من الأميين وأهل الكتاب قد صاروا شيئا واحدا في الانحياز إلى المصارحين من أهل الكتاب ، فأنزل فيهم سبحانه هذه الآيات على وجه يعم غيرهم حتى تبينت أحوالهم وانكشف زيغهم ومحالهم ، أنكر - على من يودعونهم أسرارهم