ابراهيم بن عمر البقاعي

48

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

مبرؤون من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي قال : بِغَيْرِ حَقٍّ أي لا صغير ولا كبير في نفس الأمر ولا في اعتقادهم ، فهو أبلغ مما في البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف فالأخف . ولما خص ذكر أكمل الخلق عبر بما يعم أتباعهم فقال معيدا للفعل زيادة في لومهم وتقريعهم : وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ أي العدل ، ولما كان ذلك شاملا لمن لا قدرة لهم على قتله من الملائكة قال : مِنَ النَّاسِ أي كلهم ، سواء كانوا أنبياء أو لا ، ويجوز أن يكون المراد بهذا القيد زيادة توبيخهم بأنهم يقتلون جنسهم الذي من حقهم أن يألفوه ويسعوا في بقائه ، وهذا تحقيق لأن قتلهم لمجرد العدوان قال الحرالي : فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير من الملوك والرؤساء ، فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم التطبب ومخالطتهم رؤساء الناس بالطب الذي توسل كثير منهم إلى قتلهم به عمدا وخطأ ، ليجري ذلك على أيديهم خفية في هذه الأمة نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في قتل الأنبياء جهرة - انتهى . ويجوز أن يكون الخبر عنهم محذوفا والتقدير : أنهم مطبوع على قلوبهم ، أو : لا يؤمنون ، أو : لا يزالون يجادلونك وينازعونك ويبغون لك الغوائل فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * أي اجعل إخبارهم بأنه لهم موضع البشارة ، فهو من وادي : تحيتهم بينهم ضرب وجيع . ولما كان الحال ربما اقتضى أن يقال من بعض أهل الضلال : إن لهؤلاء أعمالا حسانا واجتهادات في الطاعة عظيمة ، بيّن تعالى أن تلك الأفعال مجرد صور لا معاني لها لتضييع القواعد ، كما أنهم هم أيضا ذوات بغير قلوب ، لتقع المناسبة بين الأعمال والعاملين فقال : أُولئِكَ أي البعداء البغضاء الَّذِينَ حَبِطَتْ أي فسدت فسقطت ، وأشار بتأنيث الفعل إلى ضعفها من أصلها أَعْمالُهُمْ أي كلها الدنياوية والدينية ، وأنبأ تعالى بقوله : فِي الدُّنْيا كما قال الحرالي - أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغي يمحوها فلا يطمعون بجزائها في عاجل ولا آجل ، وبذلك تمادى عليهم الذل وقل منهم المهتدي - انتهى وَالْآخِرَةِ فلا يقيم لهم اللّه في يوم الدين وزنا ، وأسقط ذكر الحياة إشارة إلى أنه لا حياة لهم في واحدة من الدارين . ولما كان التقدير : فلا ينتصرون بأنفسهم أصلا ، فإنهم لا يدبرون تدبيرا إلا كان فيه تدميرهم ، عطف عليه قوله : وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ * قال الحرالي : فيه إعلام بوقوع الغلبة عليهم غلبة لا نصرة لهم فيها في يوم النصر الموعود في سورة الروم التي هي تفصيل من معنى هذه السورة في قوله تعالى : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ [ الروم : 4 ، 5 ] فهم غير داخلين فيمن ينصر بما قد ورد أنهم « يقتلون