ابراهيم بن عمر البقاعي

467

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الشهادة الذي كانوا يقدمونه أمامهم في الحروب ، فإن كانوا باقين على ما فيه من الميثاق نصروا وإلا خذلوا ، وناسخا لشريعتهم مجازاة لهم من جنس ما كانوا يعملون من التحريف ، وشاهدا على من أطراه بالضلال فقال : وَقَفَّيْنا إلى آخرها ، وكذا كل ما بعدها من آياتهم إلى آخر السورة ، لا تخلو آية منها من التعرض إلى نقض دعواهم لها بذكر ذنب ، أو ذكر عقوبة عليه ، أو ذكر تكذيب لهم من كتابهم أو نبيهم ، والمعنى : أوجدنا التقفية ، وهي اتباع شيء بشيء تقدّمه ، فيكون أتيا في قفاه لكونه وراءه ، وإلقاؤه في مظهر العظمة لتعظيم شأن عيسى عليه السّلام عَلى آثارِهِمْ أي النبيين الذين يحكمون بالتوراة ، وذكر الأثر يدل على أنهم كانوا قد تركوا دينهم ، لم يبق منه إلا رسم خفي بِعِيسَى ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا والد له تكذيبا لليهود ، وإلى أنه عبد مربوب تكذيبا للنصارى ، فقال : ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً أي عيسى عليه السّلام في الأصول وكثير من الفروع و لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي مما أتى به موسى عليه السّلام قبله مِنَ التَّوْراةِ وأشار إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها بقوله : وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ أي أنزلناه بعظمتنا عليه كما أنزلنا التوراة على موسى عليه السّلام . ولما كان في الإنجيل المحكم الذي يفهمه كل أحد ، والمتشابه الذي لا يفهمه إلا الأفراد من خلص العباد ، ولا يقف بعد فهمه عند حدوده إلا المتقون ، قال مبينا لحاله : فِيهِ أي آتيناه إياه بحكمتنا وعظمتنا كائنا فيه هُدىً أي وهو المحكم ، يهتدي به كل أحد سمعه إلى صراط مستقيم وَنُورٌ أي حسن بيان كاشف للمشكلات ، لا يدع بذلك الصراط لبسا . ولما كان الناسخ للشيء بتغيير حكمه قد يكون مكذبا له ، أعلم أنه ليس كذلك ، بل هو مع النسخ للتوراة مصدق لها فقال - أي مبينا لحال الإنجيل عطفا على محل فِيهِ هُدىً : وَمُصَدِّقاً أي الإنجيل بكماله لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ولما كان الذي نزل قبله كثيرا ، عين المراد بقوله : مِنَ التَّوْراةِ فالأول صفة لعيسى عليه السّلام ، والثاني صفة لكتابه ، بمعنى أنه هو والتوراة والإنجيل متصادقون ، فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما ، لم يتخالفوا في شيء ، بل هو متخلق بجميع ما أتى به . ولما كان المتقون خلاصة الخلق ، فهم الذين ينزلون كل ما في كتب اللّه من محكم ومتشابه على ما يتحقق به أنه هدى ويتطابق به المتشابه والمحكم ، وكان قد بين أنه فيه من الهدى ما يسهل به رد المتشابه إليه فصار بعد البيان كله هدى ، قال معمما بعد ذلك التخصيص : وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * أي كل ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به وينتقلون مترقين من حال عالية إلى حال أعلى منها .