ابراهيم بن عمر البقاعي

46

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما تم ذلك كان كأنه قيل : قد جئناك بالأمر الواضح الذي لا يشكون فيه فَإِنْ حَاجُّوكَ بعده في شيء مما تضمنه وهدى إليه ودل صريحا أو تلويحا عليه فاعلم أن جدالهم عن عناد مع العلم بحقيقة الحال فَقُلْ أي فأعرض عنهم إلى أن آمرك بالقتال ، لأن من الواجبات - كما تقرر في آداب البحث - الإعراض عمن كابر في المحسوس ، وقل أنت عملا بالآية السالفة : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ أي أخلصت قصدي وتوجهي ، وانقدت غاية الانقياد لِلَّهِ الملك الأعظم الذي له الأمر كله ، فلا كفوء له . قال الحرالي : ولما أدرج تعالى شهادة الملائكة وأولي العلم في شهادته لقن نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدرج من اتبعه في إسلامه وجهه للّه ليكون إسلامهم بإسلام نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم لا بإسلام أنفسهم ، لتلحق التابعة من الأمة بالأئمة ، وذلك حال الفرقة الناجية مؤثرة الفرق الاثنين والسبعين التي قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « وما أنا عليه » « 1 » فيما أوتي من اليقين « وأصحابي » فيما أوتوه من الانقياد وبراءتهم من الرجوع إلى أنفسهم في أمر ، كما كانوا يقولون عند كل ناشئة علم أو أمر : اللّه ورسوله أعلم ، فمن دخل برأيه في أمر نقص حظه من الاتباع بحسب استبداده - انتهى . فقال تعالى عاطفا على الضمير المرفوع المتصل لأجل الفعل : وَمَنِ أي وأسلم من اتَّبَعَنِ وجوههم له سبحانه وتعالى . ولما كان المكمل لنفسه يجب عليه السعي في إكمال غيره أعلمه بذلك في قوله : وَقُلْ تهديدا وتعجيزا وتبكيتا وتقريعا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي عامة من هؤلاء النصارى الذين يجادلونك ومن اليهود أيضا وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم ، مشيرا بالاستفهام إلى عنادهم منكرا عليهم موبخا لهم : أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا عند ذلك فَقَدِ

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه أبو داود 4596 والترمذي 2640 وحسنه وابن ماجة 3991 وأبو يعلى 5978 و 6117 وأحمد 2 / 332 وابن حبان 6247 و 6731 والحاكم 1 / 128 وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي كلهم من حديث أبي هريرة « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة » . وأخرجه ابن ماجة 3992 بإسناد حسن من حديث عوف بن مالك بأتم منه . ومن حديث أنس 3993 بزيادة « كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة » . وصححه البوصيري في الزوائد . وأخرجه أبو داود 4597 والحاكم 1 / 128 من حديث معاوية .