ابراهيم بن عمر البقاعي

458

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وأما أهل الجزية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلى حاكمنا - مسببا عن أكلهم الحرام وسماعهم الكذب : فَإِنْ جاؤُكَ أي طمعا في أن تؤتيهم ما حرفوا إليه الكلم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أي إن شئت بما أنزل اللّه عليك من الحق أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ أي كذلك . ولما كان قوله : وَإِنْ دالا بعطفه على غير معطوف عليه أن التقدير : فإن حكمت بينهم لم ينفعوك شيئا لإقبالك عليهم ، قال : وإن تُعْرِضْ عَنْهُمْ أي الكفرة كلهم من المصارحين والمنافقين فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً أي لإعراضك عنهم واستهانتك بهم . ولما كان هذا التخيير غير مراد الظاهر في جواز الحكم بينهم عند الترافع إلينا وعدمه ، بل معناه عدم المبالاة بهم ، أعرض عنهم أولا ، فحقيقته بيان العاقبة على تقديري الفعل والترك ، علّمه كيف يحكم بينهم ، فقال عاطفا على ما قدرته : وَإِنْ حَكَمْتَ أي فيهم فَاحْكُمْ أي أوقع الحكم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي العدل الذي أراكه اللّه - على أن الآية ليست في أهل الذمة ، والحكم في ترافع الكفار إلينا أنه كان منهم أو من أحدهم التزام لأحكامنا أم منا التزام للذب عنهم وجب ، لقوله تعالى فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وإلا لم يجب ، ثم علل ذلك بقوله : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له صفات الكمال يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي الفاعلين للعدل السوي من غير حيف أصلا . ولما كان التقدير : فكيف يحكمونك وهم يكذبونك ويدعون أنك مبطل ، عطف عليه قوله معجبا منهم موبخا لهم : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ أي في شيء من الأشياء وَعِنْدَهُمُ أي والحال أنه عندهم التَّوْراةُ ثم استأنف قوله : فِيها حُكْمُ اللَّهِ أي الذي لا يداني عظمته عظمة وهو الذي كان مقررا في شرعهم أنه لا يسوغ خلافه ، فإن كانوا يعتقدون ذلك إلى الآن لم يجز لهم العدول إليك على زعمهم ، وإن كانوا لا يعتقدونه ويعتقدون أن حكمك هو الحق ولم يؤمنوا بك كانوا قد آمنوا ببعض وكفروا ببعض . ولما كان الإعراض عن حكمه سبحانه عظيما ، وكان وقوعه ممن يدعي أنه مؤمن به بعيدا عظيما شديدا ، قال : ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ أي يكلفون أنفسهم الإعراض عنه سواء تأيد بحكمك به أو لا لأجل الأعراض الدنيوية ، ولما كان المراد بالحكم الجنس ، وكانوا يفعلون بعض أحكامها فلم يستغرق زمان توليهم زمان البعد ، أدخل الجار لذلك فقال : مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الأمر العالي وهو الحكم الذي يعلمون أنه حكم اللّه ، فلم يبق تحكيمهم لك من غير إيمان بك إلا تلاعبا .