ابراهيم بن عمر البقاعي
445
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
شرح قصة ابني آدم من التوراة ، قال المترجم في أولها بعد قصة أكل آدم عليه السّلام من الشجرة ما نصه : فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها كانت أم كل حيّ ، وصنع الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسهما ، فأرسله اللّه من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ ، فأخرجه اللّه ربنا ، فجامع آدم امرأته حواء فحبلت وولدت قايين وقالت : لقد استفدت للّه رجلا ، وعادت فولدت أخاه هابيل ، فكان هابيل راعي غنم ، وكان قايين يحرث الأرض ، فلما كان بعد أيام جاء قايين من ثمر أرضه بقربان للّه ، وجاء هابيل أيضا من أبكار غنمه بقربان ، فسر اللّه بهابيل وقربانه ولم يسر بقايين وقربانه ، فساء ذلك قايين جدا وهمّ أن يسوءه وعبس وجهه ، فقال الرب لقايين : ما ساءك ؟ ولم كسف وجهك ؟ إن أحسنت تقبلت منك ، وإن لم تحسن فإن الخطيئة رابضة على الباب وأنت تقبل إليها وهي تتسلط عليك ، فقال قايين لهابيل أخيه : تتمشى بنا في البقعة ، فبينما هما يتمشيان في الحرث وثب قايين على أخيه هابيل فقتله ، فقال اللّه لقايين : أين هابيل أخوك ؟ فقال : لا أدري ، أرقيب أنا على أخي ؟ قال اللّه : ما ذا فعلت ! فإن دم أخيك ينادي لي من الأرض ، من الآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها فقبلت دم أخيك من يدك ، فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حراثها ، وتكون فزعا تائها في الأرض ، فقال قايين للرب : عظمت خطيئتي من أن تغفرها ، وقد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض ، وأتوارى من قدامك وأكون فزعا تائها في الأرض ، وكل من وجدني يقتلني ، فقال اللّه ربنا : كلا ! ولكن كذلك كل قاتل ، وأما قايين فإنه يجزى بدل الواحد سبعة ، فخرج قايين من قدام اللّه فجلس في أرض نود شرقي عدن - انتهى . قال البغوي عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول : إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت فيها بقابيل وتوأمته - فذكر قصته في النكاح وقتله لأخيه وشرب الأرض لدمه وقول قابيل للّه - حين قال له : إنه قتله - : إن كنت قتلته فأين دمه ؟ فحرم اللّه على الأرض يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا - انتهى . ولما أخبر اللّه تعالى بأن أحدهما فعل معه من عدم القبول ما غاظه ، كان كأنه قيل : فما فعل حين غضب ؟ فقيل : قالَ أي لأخيه الذي قبل قربانه حسدا له لَأَقْتُلَنَّكَ فكأنه قيل : بما أجابه ؟ فقيل : نبهه أولا على ما يصل به إلى رتبته ليزول حسده بأن قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ أي يقبل قبولا عظيما المحيط لكل شيء قدرة وعلما الملك الذي له الكمال كله ، فليس هو محتاجا إلى شيء ، وكل شيء محتاج إليه مِنَ الْمُتَّقِينَ * أي العريقين في وصف التقوى ، فلا معصية لهم يصرون عليها بشرك ولا غيره ، فعدم تقبل قربانك من نفسك لا مني ، فلم تقتلني ؟ فقتلك لي مبعد لك عما حسدتني عليه .