ابراهيم بن عمر البقاعي

440

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

التوراة بالدخول إلى بيت المقدس ثم نهيهم عن ذلك لما عصوا ، فإنه قال : اصعدوا ورثوا الأرض كما قال لكم اللّه رب آبائكم ، لا تخافوا ولا تفزعوا ، ولما عصوا هذا الأمر وأعلمهم موسى عليه السّلام بغضب اللّه عليهم وعقوبته بالتيه أرادوا امتثال الأمر في الصعود توبة ، فقال لهم موسى عليه السّلام : وقال لي الرب : أنذرهم وقل لهم : لا تصعدوا ولا تجاهدوا لأني لست بينكم ، لئلا يهزمكم أعداؤكم - هذا نصه فراجعه . وأما دخول أبنائهم إلى بلاد القدس وغلبتهم على أهلها وتبسطهم في أرضها تصديقا لمواعد اللّه على يد يشوع بن نون عليه السّلام فسيذكر إن شاء اللّه تعالى عند قوله تعالى في سورة يونس عليه السّلام : وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [ يونس : 93 ] ، ولكن أقدم هنا من أمر يوشع بعد موسى عليهما السّلام - والمعونة باللّه - ما يبنى عليه بعض مناسبات الآية التي بعدها ، قال البغوي : فتوجه - يعني يوشع - ببني إسرائيل إلى إريحا ومعه تابوت الميثاق ، فأحاط بها ستة أشهر ، ثم نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة ، فسقط سور المدينة ودخلوا ، فقاتلوا الجبارين فقتلوهم ، وكان القتال في يوم الجمعة ، فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال : اللهم أردد الشمس عليّ ! فردت عليه وزيد في النهار ساعة ، ثم قتلهم أجمعين ، وتبع ملوك الشام واستباح منهم واحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض الشام وفرق عماله في نواحيها ، وجمع الغنائم فلم تنزل النار ، فأوحى اللّه إلى يوشع أن فيها غلولا فمرهم فليبايعوك ، فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده ، فقال : هلمّ ما عندك ! فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر ، فجعله في القربان وجعل الرجل معه ، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان - انتهى . ورأيت أنا في تاريخ نبوة يوشع بعد موت موسى عليهما السّلام ما ربما يخالف هذا في الأشهر والبلد ، أما الأشهر فجعلها سبعة أيام ، وأما البلدة التي وقفت عندها الشمس فجبعون لا إريحا ، فإنه قال ما نصه : قال الرب ليشوع : انظر ، إني قد دفعت في يدك إريحا وملكها وكل أجنادها ، فليحط بالمدينة جميع الرجال المقاتلة ، ودوروا حول المدينة في اليوم مرة ، وافعلوا ذلك في ستة أيام ، ويحمل سبعة من الكهنة سبعة أبواق ويهتفون أمام التابوت ، حتى إذا كان اليوم السابع دوروا حول المدينة سبع مرات ، ويهتف الكهنة بالقرون ، وإذا هتفت الأبواق وسمعتم أصواتها يهتف جميع الشعب بأعلى أصواتهم صوتا شديدا ، فيقع سور المدينة مكانه ، ويصعد الشعب كل إنسان حياله - انتهى . ثم ذكر امتثالهم لأمر اللّه وفتحهم لإريحا على ما قال اللّه ، وأما البلدة التي ردّت فيها الشمس فهي جبعون ، وذلك أنه ذكر بعد فتح إريحا هذه أن سكون جعبون وهم الحاوانيون صالحوا يوشع بحيلة فعلوها ، ثم قال : وهذه أسماء قراهم : جبعون والكفيرة وبيروت ويعاريم ، فلما سمع بذلك أدونصداق ملك أورشليم فرق فرقا