ابراهيم بن عمر البقاعي

424

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وتفسيقهم وتبرئهم من اللّه ، ولا شيء من ذلك فعل حبيب ولا ولد ، فقال عاطفا على نعمة في وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [ المائدة : 7 ] تذكيرا لهذه الأمة بنعمة التوثيق للسمع والطاعة التي أباها بنو إسرائيل بعدما رأوا من الآيات ، وبما كف عنهم على ضعفهم وشجع به قلوبهم ، وألزمهم الطاعة وكره إليهم المعصية بضد ما فعل ببني إسرائيل - وغير ذلك مما يرشد إليه إنعام النظر في القصة : وَإِذْ أي واذكروا حين قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أي من اليهود يا قَوْمِ اذْكُرُوا أي بالقلب واللسان ، أي ذكر اعتبار واتعاظ بما لكم من قوة القيام بما تحاولونه ، ليقع منكم الشكر نِعْمَتَ اللَّهِ أي إنعام الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام ، وعبر عن الإنعام بالغاية لأنها المقصود عَلَيْكُمْ وعظم ذلك التذكير بالاسم الأعظم ، ونبه بذكر ظرفها على أجل النعم ، وهي النبوة المنقذة لهم من النار فقال : إِذْ أي حين جَعَلَ فِيكُمْ وبشرهم بمن يأتي بعده من الأنبياء من بني إسرائيل فجمع جمع الكثرة في قوله : أَنْبِياءَ أي يحفظونكم من المهالك الدائمة ، ففعل معكم - بذلك وغيره من النعم التي فضلكم بها على العالمين في تلك الأزمان - فعل المحب مع حبيبه والوالد مع ولده ، ومع ذلك عاقبكم حين عصيتم ، وغضب عليكم إذ أبيتم ، فعلم أن الإكرام والإهانة دائران بعد مشيئته على الطاعة والمعصية . ولما نقلهم من الحيثية التي كانوا فيها عبيدا لفرعون ، لا يصلحون معها لملك ، ولا تحدثهم أنفسهم به ، إلى حيثية الحرية القابلة لأن يكون كل منهم معها ملكا بعد أن أرسل فيهم رسولا وبشر بأنه يتبعه من الأنبياء ما لم يكن في أمة من الأمم غيرهم ، قال : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي فكما جعلكم كذلك بعد ما كنتم غير طامعين في شيء منه ، فقد نقله منكم وجعله في غيركم بتلك القدرة التي أنعم عليكم بها ، وذلك لكفركم بالنعم وإيثاركم الجهل على العلم ، فإنكاركم لذلك وتخصيص النعم بكم تحكم وترجيح بلا مرجح ، ويوضح ذلك أن كفر النعمة سبب لزوالها ، وقد كانوا يهددون في التوراة وغيرها بما هم فيه الآن من ضرب الذلة والمسكنة التي لا يصلحون معها لملك إن هم كفروا - كما سيأتي بعض ذلك في هذه السورة . ولما ذكرهم تعالى بما ذكرهم به من النعم العامة ، أتبعه التذكير بنعمة خاصة فقال : وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف الزمان - كما اقتضاه التعبير بلم أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ * من الآيات التي أظهرها على يد موسى عليه السّلام ، فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور ، والكتاب الذي جعله تبيانا لكل شيء ؛ ثم أتبعه ما يقيد به هذه النعم من الشكر بامتثال الأمر في جهاد الأعداء في سياق مؤذن بالنصر معلم