ابراهيم بن عمر البقاعي
422
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان التقدير : لأنه مالك خلقه وملكهم لا اعتراض عليه في شيء من أمره ، عطف عليه قوله نقضا ثالثا بما هو أعم مما قبله فقال : وَلِلَّهِ أي الذي له الأمر كله ، فلا كفوء له مُلْكُ السَّماواتِ وقدمها لشرفها دلالة على ملك غيرها من باب أولى ، وصرح بقوله : وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أي وأنتم مما بينهما ، وقد اجتمع بذلك مع الملك والإبداع الملك والتصريف والتصرف التام ، وذلك هو الغنى المطلق ، ومن كان كذلك لم يكن محتاجا إلى شيء من ولد ولا غيره ، ولا يكون لأحد عليه حق ، ولا يسوغ عليه اعتراض . ولما كان التقدير : فمنه وحده الابتداء ، عطف عليه قوله : وَإِلَيْهِ أي وحده الْمَصِيرُ * أي الصيرورة والرجوع وزمان ذلك ومكانه معنى في الدنيا بأنه لا يخرج شيء عن مراده ، وحسا في الآخرة ، فيحكم بين مصنوعاته على غاية العدل - كما هو مقتضى الحكمة وشأن كل ملك في إقامة ملكه بإنصاف بعض عبيده من بعض ، لا يجوز عنده في موجب السياسة إطلاق قويهم على ضعيفهم ، فإن ذلك يؤدي إلى خراب الملك وضعف الملك ، فإذا كان هذا شأن الملوك في العبيد الناقصين فما ظنك بأحكم الحاكمين ! فإذا عاملهم كلهم بالعدل أسبغ على من يريد ملابس الفضل . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 19 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 ) ولما دحضت حجتهم ، ووضحت أكذوبتهم ، اقتضى ذلك الالتفات إلى وعظهم على وجه الامتنان عليهم وإبطال ما عساهم يظنونه حجة ، فقال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ أي من الفريقين ؛ ولما كان ما حصل لهم من الضلال بتضييع ما عندهم من البينات وتغييرها ما لا يتوقع معه الإرسال ، قال معبرا بحرف التوقع : قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا أي الذي عظمته من عظمتنا ، فإعظامه وإجلاله واجب لذلك ، ثم بين حاله مقدما له على متعلق جاء بيانا لأنه أهم ما إلى الرسل إليهم إرشادا إلى قبول كل ما جاء به بقوله : يُبَيِّنُ لَكُمْ أي يوقع لكم البيان في كل ما ينفعكم بيانا شافيا لما تقدم وغيره . ولما كان مجيئه ملتبسا ببيانه وظرفا له غير منفك عنه ، وكان بيانا مستعليا على وقت مجيئه وما مضى قبله وما يأتي بعده ببقاء كتابه ، محفوظا لعموم دعوته وختامه وتفرده ، فلا نبي بعده ، قال معلقا بجاء : عَلى فَتْرَةٍ أي طويلة بالنسبة إلى ما كان يكون بين النبيّين من بني إسرائيل ، مبتدئة تلك الفترة مِنَ الرُّسُلِ أي انقطاع من مجيئهم ، شبّه فقدهم وبعد العهد بهم ونسيان أخبارهم ، وبلاء رسومهم وآثارهم ،