ابراهيم بن عمر البقاعي

409

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما أمر سبحانه ونهى ، بشر وحذر فقال : وَعَدَ اللَّهُ أي الملك الذي له الكمال المطلق فله كل شيء الَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بالإيمان بألسنتهم وَعَمِلُوا تصديقا لهذا الإقرار الصَّالِحاتِ وترك المفعول الثاني أقعد في باب البشارة ، فإنه يحتمل كل خير ، وتذهب النفس في تحريزه كل مذهب . ولما كان الموعود شيئين : فضلا وإسقاط حق ، قدم الإسقاط تأمينا للخوف ، فقال واضعا له موضع الموعود في صيغة دالة على الثبات والاختصاص : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي لما فرط منهم لما طبع الإنسان عليه من النقص نسيانا أو عمدا ، بعمل الواجبات إن كان صغيرة ، وبالتوبة إن كان كبيرة ، وفيه إشارة إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر اللّه حق قدره ؛ ولما أمنهم بالتجاوز أتبعه الجود بالعطاء فقال وَأَجْرٌ أي على قدر درجاتهم من حسن العمل عَظِيمٌ * أي لا يدخل تفاوت درجاته تحت الحصر . ولما قدم الوعد لأنه في سورة الذين آمنوا أتبعه الوعيد لأضدادهم ، وهو أعظم وعد لأحبابه المؤمنين أيضا فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي غطوا ما اتضح لعقولهم من أدلة الوحدانية وَكَذَّبُوا أي زيادة على الستر بالعناد : بِآياتِنا على ما لها من العظمة في أنفسها وبإضافتها إلينا أُولئِكَ أي البغضاء البعداء من الرحمة خاصة أَصْحابُ الْجَحِيمِ * أي النار التي اشتد توقدها فاشتد احمرارها ، فلا يراها شيء إلا أحجم عنها ، فهم يلقون فيها بما أقدموا على ما هو أهل للإجحام عنه من التكذيب بما لا ينبغي لأحد التكذيب به ، ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب . ولما كان من الأجر ما يحصل من أسباب السعادة في الدنيا ، قال تعالى ذاكرا لهم بعض ذلك مذكرا ببعض ما خاطبهم به ليقدموا على مباينة الكفرة ويقفوا عند حدوده كائنة ما كانت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي صدقوا باللّه ورسوله وكتابه اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما عَلَيْكُمْ عظمها بإبهامها ، ثم زادها تعظيما بالتذكير بوقتها فقال : إِذْ أي حين هَمَّ قَوْمٌ أي لهم قوة ومنعة وقدرة على ما يقومون فيه أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ أي بالقتال والقتل ، وهو شامل . مع ذكر من أسباب نزوله - لما اتفق صبيحة ليلة العقبة من أن قريشا تنطست « 1 » الحبر عن البيعة ، فلما صح عندهم طلبوا أهل البيعة ففاتوهم إلا أنهم أدركوا سعد بن عبادة بأذاخر ، والمنذر بن

--> ( 1 ) تنطست : أي تجسست وبحثت ا ه وفي نسخة : تنسطت .