ابراهيم بن عمر البقاعي
407
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
راسخة ، عبر بالكون فقال تعالى : كُونُوا قَوَّامِينَ أي مجتهدين في القيام على النساء اللاتي أخذتموهن بعهد اللّه ، واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه ، وعلى غيرهن في الصلاة وغيرها من جميع الطاعات التي عاهدتم على الوفاء بها . ولما كان مبنى السورة على الوفاء بالعهد الوثيق ، وكان الوفاء بذلك إنما يخف على النفوس ، ويصح النشاط فيه ، ويعظم العزم عليه بالتذكر بجلالة موثقه وعدم انتهاك حرمته ، لأن المعاهد إنما يكون باسمه ولحفظ حده ورسمه ، قدم قوله : لِلَّهِ أي الذي له الإحاطة بكل شيء . بخلاف ما مضى في النساء . ولما كان من جملة المعاقد عليه ليلة العقبة « ليلة تواثقوا على الإسلام » « 1 » أن يقولوا بالحق حيث ما كانوا ، لا يخافون في اللّه لومة لائم ، قال : شُهَداءَ أي متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يسد عنها شيء مما تريدون الشهادة به بِالْقِسْطِ أي العدل ، وقال الإمام أبو حيان « 2 » في نهره : إن التي جاءت في سورة النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين ، فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل والسواء من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة ، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والإحن ، فبدىء فيها بالقيام للّه إذ كان الأمر بالقيام للّه أولا أردع للمؤمنين ، ثم أردف بالشهادة بالعدل ، فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو القسط ، والتي في معرض العداوة والشنآن « 3 » بدىء فيها بالقيام للّه ، فناسب كل معرض ما جيء به إليه ، وأيضا فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا [ النساء : 129 ] وقوله فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا [ النساء : 128 ] فناسب ذكر تقديم القسط ، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط . انتهى . ولما كان أمر بهذا الخبر ، نهى مما يحجب عنه فقال : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ أي يحملنكم شَنَآنُ قَوْمٍ أي شدة عداوة من لهم قوة على القيام في الأمور من المشركين ، بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد قوتهم عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا أي أن تتركوا قصد العدل ، وهو يمكن أن يدخل فيه بغض أهل الزوجة الكافرة أو ازدراؤها في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها ، فأمروا بالعدل حتى بين هذه المرأة الكافرة وضرّاتها المسلمات ، وإذا كان هذا شأن الأمر به في الكافر فما الظن به في المسلم ؟ ثم استأنف
--> ( 1 ) يشير للحديث المتقدم . ( 2 ) هو الإمام أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي نحوي عصره ومفسره ومحدثه له من التصانيف البحر المحيط في التفسير توفي سنة : 745 ( 3 ) الشنآن : الحقد والبغضاء .