ابراهيم بن عمر البقاعي
405
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
« خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض أسفاره ، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي ، فأقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على التماسه ، وأقام الناس معه ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء . وفي رواية : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة ، فأناخ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ونزل ، فثنى رأسه في حجري راقدا . فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ فجاء أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال : حبست النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قلادة ، فبي الموت لمكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد أوجعني ، ثم إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد ، فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [ المائدة : 6 ] ، وفي رواية : فأنزل اللّه آية التيمم فَتَيَمَّمُوا فقال أسيد بن حضير : لقد بارك اللّه للناس فيكم يا آل أبي بكر ! ما أنتم إلا بركة لهم ، وفي رواية : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فإذا العقد تحته » « 1 » وفي رواية له عنها في النكاح أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت ، فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ناسا من أصحابه في طلبها ، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء ، فلما أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم ، فقال أسيد بن حضير : جزاك اللّه خيرا ! فو اللّه ما نزل بك أمر قط إلا جعل اللّه لك منه مخرجا ، وجعل للمسلمين فيه بركة » « 2 » وهذا الحديث يدل على أن هذه الآية نزلت قبل آية النساء ، فكانت تلك نزلت بعد ذلك لتأكيد هذا الحكم ومزيد الامتنان به ، لما فيه من عظيم اليسر وليحصل في التيمم من الجناية نص خاص ، فيكون ذلك أفخم لشأنها وأدل على الاهتمام بها . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 7 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 8 ) ولما كان في هذه المأمورات والمنهيات خروج عن المألوفات ، وكانت الصلاة أوثق عرى الدين ، وكان قد عبر عنها بالإيمان الذي هو أصل الدين وأساس الأعمال ،
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 334 ، 3672 ، و 4583 ، 4607 ، 4608 ، 5164 ، والنسائي 1 / 163 ، 164 وابن خزيمة 262 والشافعي 1 / 43 مختصرا والطبري 9641 والبيهقي 1 / 223 ، 224 والبغوي 307 وابن حبان 1300 كلهم من حديث عائشة . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 336 ومسلم 367 وأبو داود 317 والنسائي 1 / 172 وابن ماجة 568 وابن حبان 1709 وأبو عوانة 1 / 303 والحميدي 165 والطبري 9640 وابن خزيمة 261 والبيهقي 1 / 214 كلهم من حديث عائشة .