ابراهيم بن عمر البقاعي
402
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان الوضوء في سورة النساء إنما هو على سبيل الإشارة إجمالا ، صرح به هنا على سبيل الأمر وفصله ، فقال مجيبا للشرط إعلاما بأن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة ، لأن المعلق على الشيء بحرف الشرط يعدم عند عدم الشرط : فَاغْسِلُوا أي لأجل إرادة الصلاة ، ومن هنا يعلم وجوب النية ، لأن فعل العاقل لا يكون إلا مقصودا ، وفعل المأمور به لأجل الأمر هو النية وُجُوهَكُمْ وحدّ الوجه منابت شعر الرأس ومنتهى الذقن طولا وما بين الأذنين عرضا ، وليس منه داخل العين وإن كان مأخوذا من المواجهة ، لأنه من الحرج ، وكذا إيصال الماء إلى البشرة إذا كثفت اللحية خفف للحرج واكتفى عنه بظاهر اللحية ، وأما العنفقة ونحوها من الشعر الخفيف فيجب وَأَيْدِيَكُمْ . ولما كانت اليد تطلق على ما بين المنكب ورؤوس الأصابع ، قال مبينا إن ابتداء الغسل يكون من الكفين ، لأنهما لعظم النفع أولى بالاسم : إِلَى الْمَرافِقِ أي آخرها ، أخذا من بيان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بفعله ، فإنه كان يدير الماء على مرفقيه ، وإنما كان الاعتماد على البيان لأن الغاية تارة تدخل كقوله تعالى مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [ الإسراء : 1 ] وتارة لا تدخل كقوله تعالى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة : 187 ] والمرفق ملتقى العظمين ، وعفي عما فوق ذلك تخفيفا وَامْسَحُوا ولما عدل عن تعدية الفعل إلى الرأس ، فلم يفعل كما فعل في الغسل مع الوجه ، بل أتى بالباء فقال : بِرُؤُسِكُمْ علم أن المراد إيجاد ما يسمى مسحا في أي موضع كان من الرأس ، دون خصوص التعميم وهو معنى قول الكشاف : المراد إلصاق المسح بالرأس ، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح . ولما كان غسل الرجل مظنة الإسراف فكان مأمورا بالاقتصاد فيه ، وكان المسح على الخف سائغا كافيا ، قرىء : وَأَرْجُلَكُمْ بالجر على المجاورة إشارة إلى ذلك أو لأن الغاسل يدلك في الأغلب ، قال في القاموس : المسح كالمنع : إمرار اليد على
--> - وورد من حديث ابن عمر أخرجه الديلمي في الفردوس 7 . وأبو نعيم في الحلية 5 / 233 بلفظ : « أول ما افترض اللّه عز وجل على أمتي الصلوات الخمس ، وأول ما يرفع من أعمالهم الصلوات الخمس » . وفي إسناده مالك بن يحيى النكري قال ابن حبان في المجروحين 3 / 37 : منكر الحديث جدا وقال البخاري : في حديثه نظر . وورد من حديث عمر بن الخطاب : « أول ما يرفع من الناس الأمانة ، وآخر ما تبقى الصلاة ، وربّ مصلّ لا خير فيه » . أخرجه الديلمي في الفردوس 10 . وأبو نعيم في الحلية 2 / 174 والطبراني في الصغير 387 . قال الهيثمي في المجمع 7 / 321 : فيه حكيم بن نافع وثقه ابن معين وضعفه أبو زرعة وبقية رجاله ثقات ا ه . وقال ابن حبان في المجروحين 1 / 248 : حكيم كان يقلب الأسانيد ، ويرفع المراسيل ، لا يحتج به فيما يرويه منفردا ا ه لكن الحديث حسن بشواهده وطرقه .