ابراهيم بن عمر البقاعي
394
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
كان جوابا منه صلّى اللّه عليه وسلّم لهذه الآية ، لفهمه صلّى اللّه عليه وسلّم أن إنزال آية عمران سر الإسلام وأعظمه وأكمله ، وهذه الآية من المعجزات ، لأنها إخبار بمغيب صدقها فيه الواقع . ولما تمت هذه الجمل الاعتراضية التي صار ما بينها وبين ما قبلها وما بعدها بأحكام الرصف واتقان الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد ، المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة ، فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة ؛ رجع إلى تتمات لتلك المحظورات ، فقال مسببا عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفية السمحة المحرمة لهذه الخبائث لإضرارها بالبدن والدين : فَمَنِ اضْطُرَّ أي ألجىء إلجاء عظيما - من أي شيء كان - إلى تناول شيء مما مضى أنه حرم ، بحيث لا يمكنه معه الكف عنه فِي مَخْمَصَةٍ أي مجاعة عظيمة غَيْرَ مُتَجانِفٍ أي متعمد ميلا لِإِثْمٍ أي بالأكل على غير سد الرمق ، أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه بضرب قهر ، وزاد بعد هذا التقييد تخويفا بقوله : فَإِنَّ اللَّهَ أي الذي له الكمال كله غَفُورٌ رَحِيمٌ * أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه عليه ولا يعاتبه ويكرمه ، بأن يوسع عليه من فضله ، ولا يضطره مرة أخرى - إلى غير ذلك من الإكرام وضروب الإنعام . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 4 ] يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 4 ) ولما تقدم إحلال الصيد وتحريم الميتة ، وختم ذلك بهذه الرخصة ، « وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد أمر بقتل الكلاب » « 1 » وكان الصيد ربما مات في يد الجارح قبل إدراك ذكاته ، سأل بعضهم عما يحل من الكلاب ، وبعضهم عما يحل من ميتة الصيد إحلالا مطلقا لا بقيد الرخصة ، إذ كان الحال يقتضي هذا السؤال ؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن أبي رافع رضي اللّه عنه قال : « أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقتل الكلاب ، فقال الناس : يا رسول اللّه ! ما أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فأنزل اللّه تعالى : يَسْئَلُونَكَ » « 2 » .
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 1572 وأبو داود 2846 كلاهما من حديث جابر بن عبد اللّه ، ولفظ مسلم : « أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقتل الكلاب ، حتى أن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله ، ثم نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتلها ، وقال : عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين ، فإنه شيطان » ( 2 ) حسن . أخرجه الحاكم 2 / 311 والطبري 1138 والواحدي في أسباب النزول ص 141 والطبراني -