ابراهيم بن عمر البقاعي
39
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
كذبوا ، ففي شمول ذكر الذنوب في الصنفين إعلام بإجراء قدر الذنوب على الجميع ، فما كان منها مع التكذيب أخذ به ، وما كان منها مع التقوى والإيمان غفر له - انتهى . ولما رتب سبحانه وتعالى الغفران على التقوى ابتداء رتب عليها الوقاية انتهاء فقال : وَقِنا عَذابَ النَّارِ أي الذي استحققناه بسوء أعمالنا . قال الحرالي : ولما وصف تقوى قلوبهم باطنا وأدب مقالهم ظاهرا وصف لهم أحوال أنفسهم ليتطابق ظاهر أمرهم بمتوسطه وباطنه فقال : الصَّابِرِينَ فوصفهم بالصبر إشعارا بما ينالهم من سجن الدنيا وشدائدها ، والصبر أمدح أوصاف النفس ، به تنحبس عن هواها وعما زين من الشهوات المذكورة بما تحقق من الإيمان بالغيب الموجب لترك الدنيا للآخرة فصبروا عن الشهوات ؛ أما النساء فبالاقتصار على ما ملكوه ؛ وأما البنون فبمراعاة أن ما تقدم خير مما تأخر ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم - يعني فيما رواه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه « لسقط أقدمه بين يدي أحب إليّ من فارس أخلفه خلفي » « 1 » وأما الذهب والفضة فبالنظر إليها أصناما يضر موجودها ، وبالحري أن ينال منها السلامة بنفقة لا يكاد يصل إنفاقها إلى أن يكون كفارة كسبها وجمعها ، فكان الصبر عنها أهون من التخلص منها ؛ وأما الخيل فلما يصحبها من التعزز الممد لخيلاء النفس الذي هو أشد ما على النفس أن تخرج عن زهوها وخيلائها إلى احتمال الضيم والسكون بحب الذل ، يقال : إنه آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة ؛ وأما الأنعام فبالاقتصار منها على قدر الكفاف ، لأن كل مستزيد تمولا من الدنيا زائدا على كفاف منه من مسكن أو ملبس أو مركب أو مال فهو محجر على من سواه من عباد اللّه ذلك الفضل الذي هم أحق به منه ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد » « 2 » الحديث وَإِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [ الحجر : 21 ] ؛ وأما الحرث فبالاقتصار منه على قدر
--> ( 1 ) منكر . أخرجه ابن ماجة 1607 وابن عدي في الكامل 7 / 261 كلاهما من حديث أبي هريرة . قال البوصيري في الزوائد : قال المزيّ في التهذيب والأطراف : يزيد لم يدرك أبا هريرة ، ويزيد بن عبد الملك ، وإن وثقه ابن سعد فقد ضعفه أحمد وابن معين وخلف ا ه . وأعله ابن عدي بيزيد بن عبد الملك ، وأسند تضعيفه عن ابن معين والبخاري وقال أحمد : عنده مناكير . وأخرجه ابن عدي 262 من حديث عمر بن الخطاب ، وأعلّه بيزيد بن عبد الملك فالحديث مداره عليه والمتن ظاهر النكارة واللّه تعالى أعلم . ( 2 ) جيد . أخرجه البخاري في الأدب المفرد 166 وأبو داود 142 ، 143 والدارمي 1 / 179 والشافعي 1 / 30 ، 31 وابن حبان 1054 ، 4510 والبغوي 213 والبيهقي 7 / 303 ، وأحمد 4 / 211 كلهم من حديث لقيط بن صبرة مطوّلا بألفاظ متقاربة . وله قصة . وإسناده جيد رجاله كلهم ثقات رجال البخاري ومسلم .