ابراهيم بن عمر البقاعي
388
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما استثنى بعض ما أحل على سبيل الإبهام شرع في بيانه ، ولما كان منه ما نهى عن التعرض له لا مطلقا ، بل ما يبلغ محله ، بدأ به لكونه في ذلك كالصيد ، وقدم على ذلك عموم النهي عن انتهاك معالم الحج المنبه عليه بالإحرام ، أو عن كل محرم في كل مكان وزمان ، فقال مكررا لندائهم تنويها بشأنهم وتنبيها لعزائمهم وتذكيرا لهم بما ألزموه أنفسهم : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي دخلوا في هذا الدين طائعين لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ أي معالم حج بيت الملك الأعظم الحرام ، أو حدوده في جميع الدين ، وشعائر الحج أدخل في ذلك ، والاصطياد أولاها . ولما ذكر ما عممه في الحرم أو مطلقا ، أتبعه ما عممه في الزمان فقال : وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ أي فإن ذلك لم يزل معاقدا على احترامه في الجاهلية والإسلام ، ولعله وحده والمراد الجمع إشارة إلى أن الأشهر الحرم كلها في الحرمة سواء . ولما ذكر الحرم والأشهر الحرم ذكر ما يهدى للحرم فقال : وَلَا الْهَدْيَ وخص منه أشرفه فقال : وَلَا الْقَلائِدَ أي صاحب القلائد من الهدي ، وعبر بها مبالغة في تحريمه ؛ ولما أكد في احترام ما قصد به الحرم من البهائم رقّى الخطاب إلى من قصده من العقلاء ، فإنه مماثل لما تقدمه في أن قصد البيت الحرام حام له وزاجر عنه ، مع ما زاد به من شرف العقل فقال : وَلَا آمِّينَ أي ولا تحلوا التعرض لناس قاصدين الْبَيْتَ الْحَرامَ لأن من قصد بيت الملك كان محترما باحترام ما قصده . ولما كان المراد القصد بالزيارة بينه بقوله : يَبْتَغُونَ أي حال كونهم يطلبون على سبيل الاجتهاد فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ أي المحسن إليهم شكرا لإحسانه ، بأن يثيبهم على ذلك ، لأن ثوابه لا يكون على وجه الاستحقاق الحقيقي أصلا ؛ ولما كان الثواب قد يكون مع السخط قال : وَرِضْواناً وهذا ظاهر في المسلم ، ويجوز أن يراد به أيضا الكافر ، لأن قصده البيت الحرام على هذا الوجه يرق قلبه فيهيئه للإسلام ، وعلى هذا فهي منسوخة . ولما كان التقدير : فإن لم يكونوا كذلك . أي في أصل القصد ولا في وصفه - فهم حل لكم وإن لم تكونوا أنتم حرما ، والصيد حلال لكم ، عطف عليه التصريح بما أفهمه التقييد فيما سبق بالإحرام فقال : وَإِذا حَلَلْتُمْ أي من الإحرام بقضاء المناسك