ابراهيم بن عمر البقاعي
346
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فَأَخَذَتْهُمُ أي عقب هذا السؤال وبسببه من غير إمهال أخذ قهر وغلبة الصَّاعِقَةُ أي نار نزلت من السماء بصوت عظيم هو جدير بأن لا يسمى غيره - إذا نسب إليه - صاعقة ، فأهلكتهم بِظُلْمِهِمْ أي بسبب ظلمهم بهذا السؤال وغيره ، لكونه تعنتا من غير مقتض له أصلا ، وبطلب الرؤية على وجه محال وهو طلب الإحاطة ثُمَّ بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أي تكلفوا أخذه وعتوا أنفسهم باصطناعه . ولما كان الضال بعد فرط البيان أجدر بالتبكيت قال : مِنْ بَعْدِ وأدخل الجار إعلاما بأن اتخاذهم لم يستغرق زمان البعد ، بل تابوا عنه ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي بهذا الإحياء وغيره من المعجزات فَعَفَوْنا أي على ما لنا من العظمة عَنْ ذلِكَ أي الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصال لهم وَآتَيْنا أي بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة مُوسى سُلْطاناً أي تسلطا واستيلاء قاهرا مُبِيناً * أي ظاهرا فإنه أمرهم بقتل أنفسهم فبادروا الامتثال بعد ما ارتكبوا من عظيم هذا الضلال ، وفي رمز ظاهر إلى أنه سبحانه وتعالى يسلط محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم على كل من يعانده أعظم من هذا التسليط . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 154 إلى 155 ] وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 154 ) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 155 ) ولما بيّن هذا من عظمته أتبعه أمرا آخر أعظم منه فقال : وَرَفَعْنا أي بعظمتنا ؛ ولما كان قد ملأ جهة الفوق بأن وارى جميع أبدانهم ولم يسلم أحد منهم من ذلك ؛ نزع الجار فقال : فَوْقَهُمُ الطُّورَ أي الجبل العظيم ، ثم ذكر سبب رفعه فقال : بِمِيثاقِهِمْ أي حتى التزموه وأذعنوا له وقبلوه . ولما ذكر الميثاق على هذا الوجه العجيب أتبعه ما نقضوا فيه على سهولته دليلا على سوء طباعهم فقال : وَقُلْنا لَهُمُ أي بما تكرر لهم من رؤية عظمتنا ادْخُلُوا الْبابَ أي الذي لبيت المقدس سُجَّداً أي فنقضوا ذلك العهد الوثيق وبدلوا وَقُلْنا لَهُمُ أي على لسان موسى عليه الصلاة والسّلام في كثير من التوراة لا تَعْدُوا أي لا تتجاوزوا ما حددناه لكم فِي السَّبْتِ أي لا تعملوا فيه عملا من الأعمال - تسمية للشيء باسم سببه سمي عدوا لأن العامل للشيء يكون لشدة إقباله عليه كأنه يعدو وَأَخَذْنا مِنْهُمْ أي في جميع ذلك مِيثاقاً غَلِيظاً * وإنما جزمت بأن المراد بهذا - واللّه تعالى أعلم - على لسان موسى عليه الصلاة والسّلام ، لأنه تعالى كرر التأكيد عليهم