ابراهيم بن عمر البقاعي
331
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما ذكر تعالى آية التفرق وختمها بصفتي السعة والحكمة دل على الأول ترغيبا في سؤاله بقوله : وَلِلَّهِ أي الذي له العظمة كلها ما فِي السَّماواتِ ولما كان في السياق بيان ضعف النفوس وجبلها على النقائص ، فكانت محتاجة إلى تقوية الكلام المخرج لها عما ألفت من الباطل قال : وَما فِي الْأَرْضِ وعلى الثانية بالوصية بالتقوى لأنه كرر الحث على التقوى في هذه الجمل في سياق الشرط بقوله : وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا [ النساء : 128 ] وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا [ النساء : 128 ] فأخبر تعالى بعد اللطف بذلك السياق أن وصيته بها مؤكدة ، لم تزل قديما وحديثا ، لأن العلم بالمشاركة في الأمر يكون أدعى للقبول ، وأهون على النفس ، فقال تعالى : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا أي على ما لنا من العظمة . ولما كان الاشتراك في الأحكام موجبا للرغبة فيها والتخفيف لثقلها ، وكانت الوصية للعالم أجدر بالقبول قال : الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي التوراة والإنجيل وغيرهما ، وبنى الفعل للمجهول لأن القصد بيان كونهم أهل علم ليرغب فيما أوصوا به ، ودلالة على أن العلم في نفسه مهيىء للقبول ، ولإفادة أن وصيتهم أعم من أن تكون في الكتاب ، أو على لسان الرسول من غير كتاب ، ولما كان إيتاؤهم الكتاب غير مستغرق للماضي وكذا الإيصاء قال : مِنْ قَبْلِكُمْ أي من بني إسرائيل وغيرهم وَإِيَّاكُمْ أي ووصيناكم مثل ما وصيناهم ؛ ولما كانت التوصية بمعنى القول فسرها بقوله : أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ أي الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا كفوء له . ولما كان التقدير : فإن تتقوا فهو حظكم وسعادتكم في الدارين ، عطف عليه قوله : وَإِنْ تَكْفُرُوا أي بترك التقوى فَإِنَّ لِلَّهِ أي الذي له الكمال المطلق ما فِي السَّماواتِ ولما كان السياق لفرض الكفر حسن التأكيد في قوله : وَما فِي الْأَرْضِ منكم ومن غيركم من حيوان وجماد أجسادا وأرواحا وأحوالا . ولما كان المعنى : لا يخرج شيء عن ملكه ولا إرادته ، ولا يلحقه ضرر بكفركم ، ولم تضروا إن فعلتم إلا أنفسكم ، لأنه غني عنكم ، لا يزداد جلاله بالطاعات ، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات ؛ أكده بقوله دالا على غناه واستحقاقه للمحامد : وَكانَ اللَّهُ أي الذي له الإحاطة كلها غَنِيًّا أي عن كل شيء الغنى المطلق لذاته حَمِيداً * أي محمودا بكل لسان قالي وحالي ، كفرتم أو شكرتم . فكان ذلك غاية في بيان حكمته . ولما كان الملك قد لا يمنع الاعتراض على المالك بين أن ذلك إنما هو في الملك الناقص وأنه ملكه تام : وَلِلَّهِ أي الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة ما فِي