ابراهيم بن عمر البقاعي

312

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

معصوم منه ، ولكن عن مقام عال تام للارتقاء إلى أعلى منه وأتم ؛ وقد روى الترمذي سبب نزول هذه الآيات إلى قوله تعالى فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً من وجه مستقص مبين بيانا شافيا وسمى بني أبيرق بشرا وبشيرا ومبشرا ، ولم يذكر طعمة - واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، قال : عن قتادة بن النعمان قال : « كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق : بشر وبشير ومبشر ، فكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم ينحله بعض العرب ، ثم يقول : قال فلان كذا وكذا ، فإذا سمع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك الشعر قالوا : واللّه ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث ! قال : وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام ، فقدمت ضافطة « 1 » من الشام ، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك « 2 » فجعله في مشربة له ، وفي المشربة سلاح درع وسيف ، فعدى عليه من تحت البيت فنقبت المشربة ، وأخذ الطعام والسلاح ، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ! إنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا ، قال : فتحسسنا في الدار ، فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم ، قال : وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار - ؛ واللّه ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل - رجل منا له صلاح وإسلام ، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال : أنا أسرق ! فو اللّه ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة ! قالوا : إليك عنا أيها الرجل ! فما أنت بصاحبها ، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها ، فقال لي عمي : يا ابن أخي ! لو أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكرت ذلك له ! قال قتادة : فأتيته ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : سآمر في ذلك ، فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة ، فكلموه في ذلك ، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا : يا رسول اللّه ! إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح ، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت ! قال قتادة : فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكلمته ، فقال : عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ! ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة ! قال : فقال لي عمي : يا ابن أخي ! ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : اللّه المستعان ! فلم يلبث أن نزل القرآن إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ إلى خَصِيماً بني أبيرق ، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما قلت لقتادة ، إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً إلى قوله : فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ؛ فلما نزل القرآن أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالسلاح

--> ( 1 ) ضافطة : الضفاط : القوم الذين يجلبون الميرة والطعام إلى المدن وكانوا يومئذ قوما من الأنباط - يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيره ا ه والضافطة أيضا : الإبل والحمولة . ( 2 ) الدرمك والدرمق : الدقيق الأبيض .