ابراهيم بن عمر البقاعي

292

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان ذلك موجبا للإعراض عنهم رأسا ومنابذتهم قولا وفعلا ، بين سبحانه وتعالى أن التحية ليست من وادي الشفاعة ، وأن الشفاعة تابعة للعمل ، والتحية تابعة للظاهر ، فقال سبحانه وتعالى عاطفا على ما تقديره : فلا تشفعوا فيهم وأنتم تعلمون سوء مقاصدهم ، فقال معبرا بأداة التحقق بشارة لهم بأنهم يصيرون - بعد ما هم فيه الآن من النكد - ملوكا ، وفي حكم الملوك ، يحيون ويشفع عندهم ، وحثا على التواضع : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ أي أي تحية كانت إذا كانت مشروعة ، وأصل التحية الملك ، واشتقاقها من الحياة ، فكأن حياة الملك هي الحياة ، وما عداها عدم ، ثم أطلقت على كل دعاء يبدأ به عند اللقاء ؛ وقال الأصبهاني : لفظ التحية صار كناية عن الإكرام ، فجميع أنواع الإكرام تدخل تحت لفظ التحية فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها كأن تزيدوا عليها أَوْ رُدُّوها أي من غير زيادة ولا نقص ، وذلك دال على وجوب رد السّلام - من الأمر ، وعلى الفور - من الفاء والإجماع موافق لذلك ، وترك الجواب إهانة ، والإهانة ضرر ، والضرر حرام ؛ قال الأصبهاني : والمبتدىء يقول : السّلام عليكم ، والمجيب يقول : وعليكم السّلام ، ليكون الافتتاح والاختتام بذكر اللّه سبحانه وتعالى . وما أحسن جعلها تالية لآية الجهاد إشارة إلى أن من بذل السّلام وجب الكف عنه ولو كان في الحرب ، على أن من مقتضيات هاتين الآيتين أن مبني هذه السورة على الندب إلى الإحسان والتعاطف والتواصل ، وسبب ذلك إما المال وقد تقدم الأمر به في قوله تعالى وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ [ النساء : 8 ] ، وإما غيره ومن أعظمه القول ، لأنه ترجمان القلب الذي به العطف ، ومن أعظم ذلك الشفاعة والتحية ، قال عليه الصلاة والسّلام فيما أخرجه مسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه « والذي نفسي بيده ! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السّلام بينكم » « 1 » فناسب ذكر هاتين الآيتين بعد ذكر آية الجهاد المختتمة بالبأس والتنكيل . ولما كانت الشفاعة أعظمها في الإحسان قدمت ولا سيما وموجبها الإعراض ، ومقصد السورة التواصل ، فشأنها أهم والنظر إليها آكد ، ثم رغب في الإحسان في الرد ، ورهب من تركه بقوله معللا : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له الإحاطة علما وقدرة كانَ أي أزلا وأبدا عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً * أي محصيا لجميع المتعددات دقيقها وجليلها ، كافيا لها في أقواتها ومثوباتها ، محاسبا بها ، مجازيا عليها ، وذلك كله شأن المقيت ؛ ثم

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري في الأدب المفرد 260 و 980 ومسلم 54 وأبو داود 5193 والترمذي 2688 وابن ماجة 68 و 3692 والبغوي 3300 وابن حبان 236 وأحمد 2 / 442 و 477 كلهم من حديث أبي هريرة .