ابراهيم بن عمر البقاعي

290

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ومانعا لغيره عن مثل فعله ؛ قال الإمام أبو عبد اللّه القزاز : يقال : نكلته تنكيلا - إذا عملت به عملا يكون نكالا لغيره ، أي عبرة فيرجع عن المراد من أجله ، وهو أن الناظر إليه والذي يبلغه ذلك يخاف أن يحل به مثله ، أي فيكون له ذلك قيدا عن الإقدام ، والنكل - بالكسر : القيد . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 85 إلى 88 ] مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ( 85 ) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ( 86 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ( 87 ) فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 88 ) ولما كان ذلك موجبا للرغبة في طاعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا سيما في الجهاد ، وللرغبة فيمن كان بصفة المؤمنين من الإقبال على الطاعة ، والإعراض عن كل من كان بصفة المنافقين ، والإدامة لطردهم وإبعادهم والغلظة عليهم ، والحذر من مجالستهم حتى يتبين إخلاصهم ، وكان بين كثير من خلص الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم وبينهم قرابات توجب العطف المقتضي للشفقة عليهم ، الحاملة للشفاعة فيهم ، إما بالإذن في التخلف عن الجهاد لما يزخرفون القول من الأعذار الكاذبة ، أو في العفو عنهم عند العثور على نقائصهم ، أو في إعانتهم أو إعانة غيرهم بالمال والنفس في أمر الجهاد عند ادعاء أن المانع له عنه العجز - وفي غير ذلك ، وكانت التوبة معروضة لهم ولغيرهم ، وكان البر ما سكن إليه القلب ، والإثم ما حاك في الصدر ، والإنسان على نفسه بصيرة ، وكانت البواطن لا يعلمها إلا اللّه سبحانه وتعالى ، وكان الإنسان ربما أظهر شرا في صورة خير ؛ رغب سبحانه وتعالى في البر ، وحذر من الإثم بقوله - معمما مستأنفا في جواب من كأنه قال : أما تقبل فيهم شفاعة - : مَنْ يَشْفَعْ أي يوجد ويجدد ، كائنا من كان ، في أي وقت كان شَفاعَةً حَسَنَةً أي يقيم بها عذر المسلم في كل ما يجوز في الدين ليوصل إليه خيرا ، أو يدفع عنه ضيرا يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها بأجر تسببه في الخير وَمَنْ يَشْفَعْ كائنا من كان ، في أي زمان كان شَفاعَةً سَيِّئَةً أي بالذب عن مجرم في أمر لا يجوز ، والتسبب في إعلائه وجبر دائه ؛ وعظّم الشفاعة السيئة لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، فقال - معبرا بما يفهم النصيب ويفهم أكثر منه تغليظا في الزجر - : يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وهذا بيان لأن الشفاعة فيهم سيئة إن تحقق إجرامهم ، حسنة إن علمت توبتهم وإسلامهم .