ابراهيم بن عمر البقاعي

287

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

معاني القرآن وفساد قول من قال : لا يجوز أن يؤخذ منه إلا ما ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب ، وفيه دليل على النظر والاستدلال . ولما كان التقدير : فلو كان من عند غير اللّه لم يخبر بأسرارهم ، عطف عليه قوله : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ أي الذي له الإحاطة الكاملة - كما زعم الكفار لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً * أي في المعنى بالتناقض والتخلف عن الصدق في الإخبار بالمغيبات أو بعضها ، وفي النظم بالتفاوت في الإعجاز ؛ فإذا علموا أنه من عند اللّه بهذا الدليل القطعي حفظوا سرائرهم كما يحفظون علانياتهم ، لأن الأمر بالطاعة مستو عند السر والعلن ؛ والتقييد بالكثير يفيد أن المخلوق عاجز عن التحرز من النقص العظيم بنفسه ، وإفهامه - عند استثناء نقيض التالي - وجود الاختلاف اليسير فيه تدفعه الصرائح . ولما أمر سبحانه وتعالى بالنفر إلى الجهاد على الحزم والحذر ، وأولاه الإخبار بأن من الناس المغرر والمخذل تصريحا بالثاني وتلويحا إلى الأول ، وحذر منهما ومن غيرهما إلى أن ختم بأمر الماكرين ، وبأن القرآن قيم لا عوج فيه ؛ ذكر أيضا المخذلين والمغررين على وجه أصرح من الأول مبينا ما كان عليهم فقال : وَإِذا جاءَهُمْ أي هؤلاء المزلزلين أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ من غير ثبت أَوِ الْخَوْفِ كذلك أَذاعُوا أي أوقعوا الإذاعة لما يقدرون عليه من المفاسد بِهِ أي بسببه من غير علم منهم بصدقه من كذبه ، وحقه من باطله ، ومتفقه من مختلفه ، فيحصل الضرر البالغ لأهل الإسلام ، أقله قلب الحقائق ؛ قال في القاموس : أذاعه وبه : أفشاه ونادى به في الناس . وذلك كما قالوا في أمر الأمن حين انهزم أهل الشرك بأحد ، فتركوا المركز الذي وضعهم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وخالفوا أمره وأمر أميرهم ، فكان سبب كرة المشركين وهزيمة المؤمنين ، وفي أمر الخوف حين صاح الشيطان : إن محمدا قد قتل ، فصدقوه وأذاعه بعضهم لبعض ، وانهزموا وأرادوا الاستجارة بالكفار من أبي سفيان وأبي عامر ، وكذا ما أشاعوه عند الخروج إلى بدر الموعد من أن أبا سفيان قد جمع لهم ما لا يحصى كثرة ، وأنهم إن لقوه لم يبق منهم أحد - إلى غير ذلك من الإرجاف إلى أن صارت المدينة تفور بالشر فوران المرجل ، حتى أحجموا كلهم - أو إلا أقلهم - حتى قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « واللّه لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد » « 1 » فاستجابوا حينئذ ، وأكسبهم هذا القول شجاعة وأنالهم طمأنينة ، فرجعوا بنعمة من اللّه وفضل لم يمسسهم سوء كما وعدهم اللّه سبحانه وتعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم إن صبروا واتقوا ، فكذب ظنهم وصدق اللّه ورسوله ، وفي هذا إرشاد إلى الاستدلال على كون القرآن من عنده سبحانه وتعالى بما يكذب من أخبارهم هذه التي

--> ( 1 ) هذا الخبر أورده الواقدي في المغازي 1 / 387 في غزوة بدر الموعد .