ابراهيم بن عمر البقاعي
270
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بذلك كل وقت ، ليكون الجزاء من جنس العمل ، فإنه لو لم يعد منهم ما وهي لأداه وهيه إلى البلى ، ولو بلى منهم شيء لبلوا كلهم فانقطع عذابهم . ولما كان هذا أمرا لم يعهد مثله ، دل على قدرته عليه بقوله : إِنَّ اللَّهَ أي الملك الأعظم كانَ ولم يزل عَزِيزاً أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء حَكِيماً * أي يتقن صنعه ، فجعل عذابهم على قدر ذنوبهم ، لأن عزائمهم كانت على دوامهم على ما استحقوا به ذلك ما بقوا . ولما ذكر الترهيب بعقاب الكافرين أتبعه الترغيب بثواب المؤمنين فقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بالإيمان وَعَمِلُوا بيانا لصدقهم فيه الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ أي بوعد لا خلف فيه ، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف - كما في الكافرين - أنهم أقصر الأمم مدة ، أو أنهم أقصرهم أعمارا إراحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء ، وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف جَنَّاتٍ أي بساتين ، ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي إن أرضها في غاية الريّ ، كل موضع منها صالح لأن تجري منه نهر . ولما ذكر قيامها وما به دوامها ، أتبعه ما تهواه النفوس من استمرار الإقامة بها فقال : خالِدِينَ فِيها أَبَداً . ولما وصف حسن الدار ذكر حسن الجار فقال : لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ والمطرد في وصف جمع القلة لمن يفضل الألف والتاء ، فعدل هنا عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة الموافقة في الطهر كذات واحد فقيل : مُطَهَّرَةٌ أي متكرر طهرها ، لا توجد وقتا ما على غير ذلك . ولما كانت الجنان في الدنيا لا تحسن إلا بتمكن الشمس منها ، وكانت الشمس تنسخ الظل فتخرج إلى التحول إلى مكان آخر ، وربما آذى حرها ، أمّن من ذلك فيها بقوله : وَنُدْخِلُهُمْ أي فيها ظِلًّا أي عظيما ، وأكده بقوله ظَلِيلًا * أي متصلا لا فرج فيه ، منبسطا لا ضيق معه دائما لا تصيبه الشمس يوما ما ، ولا حر فيه ولا برد ، بل هو في غاية الاعتدال . ولما تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في النساء واليتامى في الإرث وغيره ، وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال ، وذكر خيانة أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب ، وذكر أنه آتى هذه الأمة الملك المقتضي للحكم ، وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم ؛ أقبل عليهم بلذيذ خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه بما ختمه بالظل الموعود على العدل في حديث « سبعة يظلهم اللّه في ظله » فقال : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له صفات الكمال يَأْمُرُكُمْ أي أيتها الأمة إِنَّ