ابراهيم بن عمر البقاعي

27

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وأثنائها أن للناس يوما يدانون فيه وصلوا بقولهم السابق قوله : رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ قال الحرالي : من الجمع ، وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفا أو قهرا - انتهى . النَّاسِ أي كلهم لِيَوْمٍ أي يدانون فيه لا رَيْبَ فِيهِ ثم عللوا نفي الريب بقولهم - عادلين عن الخطاب آتين بالاسم الأعظم لأن المقام للجلال - : إِنَّ اللَّهَ أي المحيط بصفات الكمال لا يُخْلِفُ ولما كان نفي الخلف في زمن الوعد ومكانه أبلغ من نفي خلافه نفسه عبر بالمفعال فقال : الْمِيعادَ * وقال الحرالي : هو مفعال من الوعد ، وصيغ لمعنى تكرره ودوامه ، والوعد العهد في الخير - انتهى . وكل ذلك تنبيها على أنه يجب التثبت في فهم الكتاب والإحجام عن مشكله خوفا من الفضيحة يوم الجمع يوم يساقون إليه ويقفون بين يديه ، فكأنه تعالى يقول للنصارى : هب أنه أشكل عليكم بعض أفعالي وأقوالي في الإنجيل فهلا فعلتم فعل الراسخين فنزهتموني عما لا يليق بجلالي من التناقض وغيره ، ووكلتم أمر ذلك إليّ ، وعولتم في فتح مغلقه عليّ خوفا من يوم الدين ؟ قال ابن الزبير : ثم لما بلغ الكلام إلى هنا - أي إلى آية التصوير - كان كأنه قد قيل : فكيف طرأ عليهم ما طرأ مع وجود الكتب ؟ فأخبر تعالى بشأن الكتاب وأنه محكم ومتشابه ، وكذا غيره من الكتب - واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، فحال أهل التوفيق تحكيم المحكم ، وحال أهل الزيغ اتباع المتشابه والتعلق به ، وهذا بيان لقوله : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [ البقرة : 26 ] وكل هذا بيان لكون الكتاب العزيز أعظم فرقان وأوضح بيان إذ قد أوضح أحوال المختلفين ومن أين أتى عليهم مع وجود الكتب ، وفي أثناء ذلك تنبيه العباد على عجزهم وعدم استبدادهم لئلا يغتر الغافل فيقول مع هذا البيان ووضوح الأمر : لا طريق إلى تنكب الصراط ، فنبهوا حين علموا الدعاء من قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 4 ] ثم كرر تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبدا ، ففيه معظم البيان ، ومن اعتقاد الاستبداد ينشأ الشرك الأكبر إذ اعتقاد الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف الموجودات عن يد بارئها وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات : 96 ] فمن التنبيه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 6 ] ومنه : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [ البقرة : 26 ] ومنه : آمَنَ الرَّسُولُ [ البقرة : 285 ] - إلى خاتمتها ، هذا من جلي التنبيه ومحكمه ، ومما يرجع إليه ويجوز معناه بعد اعتباره : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ البقرة : 163 ] وقوله : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ البقرة : 255 ] ، فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره تعالى حقيقة فقد قال بإلهية غيره ، ثم حذروا أشد التحذير لما بين لهم فقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [ آل عمران : 4 ] ثم ارتبطت الآيات إلى آخرها - انتهى .