ابراهيم بن عمر البقاعي
261
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ينبت وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [ الأعراف : 58 ] فَامْسَحُوا وهذه عبادة خاصة بنا . ولما كان التراب لا يتمكن من جميع العضو وإن اجتهد الإنسان في ذلك أدخل الباء قاصرا للفعل في قوله : بِوُجُوهِكُمْ أي أوقعوا المسح بها سواء عم التراب منبت الشعر أم لا وَأَيْدِيكُمْ أي منه كما صرح به في المائدة ، لا فيه ولا عليه مثلا ، ليفهم التمعك ، أو أن الحجر مثلا يكفي ، والملامسة جوز الشافعي رضي اللّه تعالى عنه أيضا أن يراد بها المس - أي ملاقاة البشرتين - الذي هو حقيقة اللمس والجماع الذي هو مسبب عن المس ، أو هو مماسة خاصة ، فهو من تسمية الكل باسم البعض حينئذ . ولما نهى عما يدني من وقوع صورة الذنب الذي هو جري اللسان بما لا يليق به سبحانه وتعالى ، وخفف ما كان شديدا بالتيمم ؛ ختم الآية بقوله : إِنَّ اللَّهَ أي الذي اختص بالكمال كانَ عَفُوًّا أي بترك العقاب على الذنب ، وكأن هذا راجع إلى ما وقع حالة السكر غَفُوراً * أي بترك العقاب وبمحو الذنب حتى لا يذكر بعد ذلك أصلا ، وكأن هذا راجع إلى التيمم ، فإن الصلاة معه حسنة ، ولولاه كانت سيئة مذكورة ومعاقبا عليها ، إما على تركها لمشقة استعمال الماء عند التساهل ، أو على فعلها بغير طهارة في بعض وجوه التنطع ، وذلك معنى قوله سبحانه وتعالى في المائدة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [ المائدة : 6 ] ومن كانت عادته العفو والمغفرة كان ميسرا غير معسر . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 44 إلى 46 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ( 44 ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً ( 45 ) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 46 ) ولما أفهم ختام هذه الآية أن التشديد في الأحكام يكون سببا للإجرام ، فيكون سببا في الانتقام ؛ قرر ذلك بحال اليهود الذين أوجبت لهم الآصار عذاب النار فقال - ليكون ذلك مرغبا في تقبل ما مر من التكاليف ليسره ولرجاء الثواب ، ومرهبا من تركها خوفا من العقاب ، وليصير الكلام حلوا رائقا بهجا بتفصيل نظمه تارة بأحكام ، وتارة بأقاصيص عظام ، فينشط الخاطر وتقوى القريحة - : أَ لَمْ تَرَ أو يقال : إنه لما حذر سبحانه وتعالى فيما مضى من أهل الكتاب بقوله سبحانه وتعالى وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً [ النساء : 27 ] ومر إلى أن أنزل هذه فيمن حرف في