ابراهيم بن عمر البقاعي

257

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الخصال كفرا حقيقيا بما أوصلهم إليه لزوم الأخلاق الدنية ، أو مجازيا بكتمان النعمة عَذاباً مُهِيناً * أي بما اغتروا بالمال الحامل على الفخر والكبر والاختيال « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر » . ولما ذم المقترين ، أتبعه ذم المسرفين المبذرين فقال - عطفا على ( الكافرين ) أو الَّذِينَ يَبْخَلُونَ معرفا أن الذين لا يحسنون على الوجه المأمور به فيمن تقدم الأمر بالإحسان إليهم فرقتان : فرقة يمنعون النفقة أصلا ، وفرقة يمنعون وصفها ويفعلونها رياء ، فيعدمون بذلك روحها - : وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ وأشار إلى عظيم رغبتهم في نفقتهم بقوله : أَمْوالَهُمْ ودل على خسة مقاصدهم وسفول هممهم بقوله : رِئاءَ النَّاسِ أي لقصور نظرهم وتقيده بالمحسوسات كالبهائم التي لا تدرك إلا الجزئيات المشاهدات . ولما ذكر إخراج المال على وجه لا يرضاه ذو عقل ، ذكر الحامل عليه مشيرا إلى أنهم حقروا أنفسهم بما عظموها به ، وذلك أنهم تعبدوا للعبيد ، وتكبروا على خالقهم العزيز المجيد فقال : وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهو الملك الأعظم . ولما كان المأمور بالإحسان إليهم هنا من الوالدين ومن ذكر معهم أخص ممن أشير إليهم في البقرة ، أكد بزيادة النافي فقال : وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الحامل على كل خير ، والنازع عن كل شر . ولما كان التقدير : فكان الشيطان قرينهم ، لكفره بإعجابه وكبره ؛ عطف عليه قوله : وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ أي وهو عدوه البعيد من كل خير ، المحترق بكل ضير لَهُ قَرِيناً فإنه يحمله على كل شر ، ويبعده عن كل خير ؛ وإلى ذلك أشار بقوله : فَساءَ قَرِيناً * . ولما كان التقدير : فماذا لهم في الكفر والإنفاق رياء لمن لا ضر ولا نفع بيده ؟ عطف عليه قوله تعنيفا لهم وإنكارا عليهم : وَما ذا عَلَيْهِمْ أي من حقير الأشياء وجليلها لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ أي الذي له كل كمال ، وبيده كل شيء وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الحامل على كل صلاح وَأَنْفَقُوا . ولما وصفهم بإنفاق جميع أموالهم للعدو الحقير أشار إلى شحهم فيما هو للّه العلي الكبير بشيء يسير يحصل لهم به خير كثير ، فقال : مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ الذي له الغنى المطلق والجود الباهر ، ولما كان التقدير : فقد كان اللّه عليهم لما بذروا أموالهم قديرا ، عطف عليه قوله : وَكانَ اللَّهُ أي المحيط بصفات الكمال بِهِمْ أي في كلتا الحالتين عَلِيماً * أي بليغ العلم ، وللإعلام بعظمة العلم بهم قدم الجار المفيد للاختصاص في غير هذا الموضع .