ابراهيم بن عمر البقاعي
255
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وأعلاهما الإحسان ، فصار المأمور بذلك مخلصا في عبادته ؛ أمره بالإحسان في خلافته ، وبدأ بأولى الناس بذلك ، وهو من جعله سببا لإيجاده ، فقال - مشيرا إلى أنه لا يرضى له من ذلك إلا درجة الإحسان ، وإلى أن من أخلص له أغناه عن كل ما سواه ، فلا يزال منعما على من عداه - : وَبِالْوالِدَيْنِ أي وأحسنوا بهما إِحْساناً وكفى دلالة على تعظيم أمرهما جعل برهما قرين الأمر بتوحيده سبحانه . ولما كان مبنى السورة على الصلة لا سيما لذي الرحم ، قال مفصلا لما ذكر أول السورة تأكيدا له : وَبِذِي الْقُرْبى لتأكد حقهم بمزيد قربهم ، ولاقتضاء هذه السورة مزيد الحث على التعاطف أعاد الجار ، ثم أتبع ذلك من تجب مراعاته للّه ، أو لمعنى تفسد بالإخلال به ذات البين ، وبدأ بما للّه لأنه إذا صح تبعه غيره فقال : وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ أي وإن لم تكن رحمهم معروفة ، وخصهم لضعفهم وقدم اليتيم لأنه أضعف ، لأنه لصغره يضعف عن دفع حاجته ورفعها إلى غيره وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى أي لأن له حقين وَالْجارِ الْجُنُبِ أي الذي لا قرابة له ، للبلوى بعشرته خوفا من بالغ مضرته « اللهم ! إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة ، فإن جار البادية يتحول » « 1 » وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ أي الملاصق المخالط في أمر من الأمور الموجبة لامتداد العشرة وَابْنِ السَّبِيلِ أي المسافر لغربته وقلة ناصره ووحشته وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي من العبيد والإماء كذلك ، فإن الإحسان إليهم طاعة عظيمة « آخر ما تكلم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الصلاة وما ملكت أيمانكم » « 2 » .
--> ( 1 ) قال السيوطي في الدر المنثور 2 / 284 ( النساء : 6 ) : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . . . . . فذكره . والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد 117 والنسائي 8 / 274 وابن حبان 1033 والحاكم 1 / 532 وأحمد 2 / 346 كلهم من حديث أبي هريرة صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي وفي إسناده محمد بن عجلان صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة كما في التقريب . - وله شاهد من حديث عقبة بن عامر وفي آخره : « ومن جار السوء في دار المقامة » . أخرجه الديلمي في الفردوس 1873 والطبراني 17 / ( 294 ) و ( 810 ) من طريقين . وذكره الهيثمي في المجمع 7 / 220 : وقال رجاله ثقات وذكره في 10 / 144 وقال : رجاله رجال الصحيح غير بشر بن ثابت البزار ، وهو ثقة . ( 2 ) صحيح لشواهده أخرجه أبو داود 5156 وابن ماجة 2698 والبيهقي 8 / 11 وأحمد 1 / 78 و 90 كلهم من حديث علي وفي إسناده أم موسى : حديثها مستقيم ووثقها العجلي قاله الدارقطني كما في الميزان للذهبي وباقي رجاله ثقات . - قال البوصيري في مصباح الزجاجة 2 / 55 : إسناده صحيح على شرط الصحيحين ا ه . - وورد من حديث أنس أخرجه ابن ماجة 2697 وأبو يعلى 2933 وابن سعد 2 / 253 وابن حبان 6605 والطحاوي 4 / 435 في المشكل وأحمد 3 / 117 والحاكم 3 / 57 قال البوصيري في مصباح الزجاجة : إسناده حسن لقصور أحمد بن المقدام عن درجة أهل الضبط وباقي رجاله على شرط الشيخين . - وورد من حديث أم سلمة أخرجه ابن ماجة 1625 وابن سعد 2 / 254 والبغوي 2415 -