ابراهيم بن عمر البقاعي

251

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً * أي فهو يعلم الولي من غيره والخائن من غيره وإن اجتهد في الإخفاء ، لأنه لا يخفى عليه شيء ، لأنه لا يغيب شيء ولا يغيب عنه شيء ، فالمعنى : إنا لم نفعل سوى ما قصدتم من إعطاء المال لمن يحمي الذمار ويذب عن الحوزة ، وأنتم كنتم غير منزليه حق منازله لغيبتكم عن حقائق الأمور وغيبتها عنكم ، فإنا لم نخرج شيئا منه لغير الموالي - أي الأنصار - إما بالقرابة أو بالمعاقدة بالولاء أو المصاهرة ، فالحاصل أنه لمن يحمي بالفعل ، أو بالقوة القريبة منه ، أو البعيدة الآئلة إلى القرب ، وأما التفضيل في الأنصباء فأمر استأثرنا بعلم مستحقيه ، وفي البخاري في التفسير عن ابن عباس : « موالي : ورثة والذين عاقدت أيمانكم كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بينهم ، فلما نزلت وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ نسخت ، ثم قال : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ من النصر والرفادة والنصيحة ، وقد ذهب الميراث ، ويوصي له » « 1 » . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 34 إلى 35 ] الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً ( 34 ) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً ( 35 ) ثم بين سبحانه وجه استحقاق بعض المفضلين ، فقال - جوابا لسؤال من كأنه قال : ما للرجال فضلوا ؟ - الرِّجالُ قَوَّامُونَ أي قيام الولاة عَلَى النِّساءِ في التأديب والتعليم وكل أمر ونهي ، وبين سببي ذلك بقوله : بِما فَضَّلَ اللَّهُ أي الذي له الحكمة البالغة والكمال الذي لا يدانى ، هبة منه وفضلا من غير تكسب بَعْضَهُمْ وهم الرجال ، في العقل والقوة والشجاعة ، ولهذا كان فيهم الأنبياء والولاة والإمامة الكبرى والولاية في النكاح ونحو ذلك من كل أمر يحتاج إلى فضل قوة في البدن والعقل والدين عَلى بَعْضٍ يعني النساء ، فقال للرجال انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [ التوبة : 41 ] وقال للنساء : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [ الأحزاب : 33 ] . ولما ذكر السبب الموهبي أتبعه الكسبي فقال : وَبِما أَنْفَقُوا أي من المهور

--> ( 1 ) أثر ابن عباس أخرجه البخاري 4580 في التفسير .