ابراهيم بن عمر البقاعي

205

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الجامع لشتات الأمور بإحسان التزاوج في لطائف المقدور الرَّحْمنِ الذي جعل الأرحام رحمة عامة الرَّحِيمِ * الذي خص من أراد بالتواصل على ما دعا إليه دينه الذي جعله نعمة تامة . لما تقرر أمر الكتاب الجامع الذي هو الطريق ، وثبت الأساس الحامل الذي هو التوحيد احتيج إلى الاجتماع على ذلك ، فجاءت هذه السورة داعية إلى الاجتماع والتواصل والتعاطف والتراحم فابتدأت بالنداء العام لكل الناس ، وذلك أنه لما كانت أمهات الفضائل - كما تبين في علم الأخلاق - أربعا : العلم والشجاعة والعدل والعفة ، كما يأتي شرح ذلك في سورة لقمن عليه السّلام ، وكانت آل عمرن داعية مع ما ذكر من مقاصدها إلى اثنتين منها ، وهما العلم والشجاعة - كما أشير إلى ذلك في غير آية نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ [ آل عمران : 3 ] ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عمران : 7 ] ، شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [ آل عمران : 18 ] ، وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 139 ] ، فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ آل عمران : 146 ] ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] ، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً [ آل عمران : 169 ] ، الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [ آل عمران : 172 ] ، يا أَيُّهَا الذي آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا [ آل عمران : 200 ] ، وكانت قصة أحد قد أسفرت عن أيتام استشهد مورثوهم في حب اللّه ، وكان من أمرهم في الجاهلية منع أمثالهم من الإرث جورا عن سواء السبيل وضلالا عن أقوم الدليل ؛ جاءت هذه السورة داعية إلى الفضيلتين الباقيتين ، وهما العفة والعدل مع تأكيد الخصلتين الأخريين حسبما تدعو إليه المناسبة ، وذلك مثمر للتواصل بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن للاجتماع على طاعة الديان ، فمقصودها الأعظم الاجتماع على الدين بالاقتداء بالكتاب المبين ، وما أحسن ابتداءها بعموم : يا أَيُّهَا النَّاسُ بعد اختتام تلك بخصوص « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا الآية . ولما اشتملت هذه السورة على أنواع كثيرة من التكاليف ، منها التعطف على الضعاف بأمور كانوا قد مرنوا على خلافها ، فكانت في غاية المشقة على النفوس ، وأذن بشدة الاهتمام بها بافتتاح السورة واختتامها بالحث عليها قال : اتَّقُوا رَبَّكُمُ أي سيدكم ومولاكم المحسن إليكم بالتربية بعد الإيجاد ، بأن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية ، لئلا يعاقبكم بترك إحسانه إليكم فينزل بكم كل بؤس . ابتدأ هذه ببيان كيفية ابتداء الخلق حثا على أساس التقوى من العفة والعدل فقال : الَّذِي جعل بينكم غاية الوصلة لتراعوها