ابراهيم بن عمر البقاعي
202
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 199 إلى 200 ] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 199 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 ) ولما كان للمؤمنين من أهل الكتابين - مع التشرف بما كانوا عليه من الدين الذي أصله حق - حظّ من الهجرة ، فكانوا قسما ثانيا من المهاجرين ، وكان إنزال كثير من هذه السورة في مقاولة أهل الكتاب ومجادلتهم والتحذير من مخاتلتهم ومخادعتهم والإخبار - بأنهم يبغضون المؤمنين مع محبتهم لهم ، وأنهم لا يؤمنون بكتابهم ، وأنهم سيسمعون منهم أذى كثيرا إلى أن وقع الختم في أوصافهم بأنهم اشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا - ربما أيأس من إيمانهم ؛ أتبع ذلك مدح مؤمنيهم ، وغير الأسلوب عن أن أيقال مثلا : والذين آمنوا من أهل الكتاب - إطماعا في موالاتهم بعد التدريب بالتحذير منهم على مناواتهم وملاواتهم فقال : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي اليهود والنصارى لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أي الذي حاز صفات الكمال ، وأشار إلى الشرط المصحح لهذا الإيمان بقوله : وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ أي من هذا القرآن وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ أي كله ، فيذعن لما يأمر منه باتباع هذا النبي العربي ، وإليه الإشارة بقوله جامعا للنظر إلى معنى من تعظيما لوصف الخشوع بالنسبة إلى مطلق الإيمان : خاشِعِينَ لِلَّهِ أي لأنه الملك الذي لا كفوء له ، غير مستنكفين عن نزل المألوف لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي التي متى تأملوها علموا أنه لا يقدر عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال ، الآمرة لهم بذلك ثَمَناً قَلِيلًا بما هم عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة - كما تقدم قريبا في وصف معظمهم ، فهم يبينونها ويرشدون إليها ولا يحرفونها . ولما أخبر تعالى عن حسن ترحمهم إليه أخبر عن جزائهم عنده بما يسر النفوس ويبعث الهمم فقال : أُولئِكَ أي العظيمو الرتبة لَهُمْ أَجْرُهُمْ أي الذي يؤملونه ، ثم زادهم فيه رغبة تشريفه بقوله : عِنْدَ رَبِّهِمْ أي الذي رباهم ولم يقطع إحسانه لحظة عنهم ، كل ذلك تعظيما له من حيث إن لهم الأجر مرتين . ولما اقتضت هذه التأكيدات المبشرات إنجاز الأجر وإتمامه وإحسانه ، وكان قد تقدم أنه تعالى يؤتي كل أحد من ذكر وأنثى أجره ، ولا يضيع شيئا ، ويجازي المسئ والمحسن ، وكانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول زمن الحساب ، وذلك سبب لطول الانتظار ، وذلك سبب لتعطيل الإنسان عن مهماته ولضيق صدره بتفرق عزمه وشتاته كان ذلك محل عجب يورث توهم ما لا ينبغي ، فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى