ابراهيم بن عمر البقاعي
198
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وخللا بينا نزهوه عنه فقالوا : سُبْحانَكَ وفي ذلك تعليم العباد أدب الدعاء بتقديم الثناء قبله ، وتنبيه على أن العبد كلما غزرت معرفته زاد خوفه فزاد تضرعه ، فإنه يحسن منه كل شيء من تعذيب الطائع وغيره ، ولولا أن ذلك كذلك لكان الدعاء بدفعه عبثا ، وما أحسن ختمها حين تسبب عما مضى تيقنهم أن أمامنا دارا يظهر فيها العدل مما هو شأن كل أحد في عبيده ، فيعذب فيها العاصي وينعم فيها الطائع ، كما هو دأب كل ملك في رعيته بقولهم رغبة في الخلاص في تلك الدار : فَقِنا عَذابَ النَّارِ * على وجه جمع بين ذكر العذاب المختتم به آية محبّي المحمدة بالباطل ، والنار المحذر منها في فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ . [ آل عمران : 185 ] ثم تعقبها بقولهم معظمين ما سألوا دفعه من العذاب ليكون موضع السؤال أعظم ، فيدل على أن الداعية في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه أتم ، مكررين الوصف المقتضي للإحسان مبالغة في إظهار الرغبة استمطارا للإجابة : رَبَّنا وأكدوا مع علمهم بإحاطة علم المخاطب إعلاما بأن حالهم في تقصيرهم حال من أمن النار حثا لأنفسهم على الاجتهاد في العمل فقالوا : إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ أي للعذاب فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أذللته وأهنته إهانة عظيمة بكونه ظالما . وختمها بقوله : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ * الحاسم لطمع من يظن منهم أنه بمفازة من العذاب ، وأظهر موضع الإضمار لتعليق الحكم بالوصف والتعميم . ولما ابتهلوا بهاتين الآيتين في الإنجاء عن النار توسلوا بذكر مسارعتهم إلى إجابة الداعي بقولهم رَبَّنا ولما كانت حالهم - لمعرفتهم بأنهم لا ينفكون عن تقصير وإن بالغوا في الاجتهاد ، لأنه لا يستطيع أحد أن يقدر اللّه حق قدره - شبيهة بحال من لم يؤمن ؛ اقتضى المقام التأكيد إشارة إلى هضم أنفسهم بالاعتراف بذنوبهم فقالوا مع علمهم بأن المخاطب عالم بكل شيء : إِنَّنا فأظهروا النون إبلاغا في التأكيد سَمِعْنا مُنادِياً أي من قبلك ، وزاد في تفخيمه بذكر ما منه النداء مقيدا بعد الإطلاق بقوله : يُنادِي قال محمد بن كعب القرظي : « 1 » هو القرآن ، ليس كلهم رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ولما كانت اللام تصلح للتعليل ومعنى « إلى » عبر بها فقيل : لِلْإِيمانِ ثم فسروه تفخيما له بقولهم : أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ ثم أخبر بمسارعتهم إلى الإجابة بقولهم : فَآمَنَّا أي عقب السماع . ثم أزالوا ما ربما يظن من ميلهم إلى ربوة الإعجاب بقولهم تصريحا بما أفهمه التأكيد لمن علمه محيط : رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي التي أسلفناها قبل
--> ( 1 ) هو الإمام العالم المفسر محمد بن كعب القرظي المدني ثقة نزل الكوفة وتوفي سنة 120 وقيل قبل ذلك روى له الأئمة الستة .