ابراهيم بن عمر البقاعي

182

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

بالأمس ، فأجابوا بالسمع والطاعة ، فخرج في أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، ولا يشك في أنهم أجابوا كلهم ، ولم يتخلف منهم أحد ، وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم يأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الخروج معه لأحد لم يشهد القتال يوم أحد ، واستأذنه رجال لم يشهدوها فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما فإنه أذن له لعلة ذكرها في التخلف عن أحد محمودة . قال الواقدي : ودعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلوائه وهو معقود لم يحل من الأمس ، فدفعه إلى علي رضي اللّه عنه ، ويقال : إلى أبي بكر رضي اللّه عنه ، وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورأسه مشجوج وهو مجروح ، في وجهه أثر الحلقتين ، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر ، ورباعيته قد سقطت ، وشفته قد كلمت من باطنها وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة ، وركبتاه مجحوشتان - بأبي هو وأمي ووجهي وعيني ! فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسجد فركع ركعتين والناس قد حشدوا ، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ ، ثم ركع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ركعتين ، فدعا بفرسه على باب المسجد ، وتلقاه طلحة رضي اللّه عنه وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى يسير ، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال : يا طلحة سلاحك ! قال : قلت : قريب ، قال : فأخرج ، أعدو فألبس درعي ولأنا أهم بجراح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مني بجراحي ، ثم أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على طلحة فقال : « أين ترى القوم الآن ؟ قال : هم بالسيالة ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ذلك الذي ظننت ! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح اللّه مكة علينا ! » ومضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد ، قال جابر رضي اللّه عنه : وكان عامة زادنا التمر ، وحمل سعد بن عبادة رضي اللّه عنه ثلاثين بعيرا حتى وافت الحمراء ، وساق جزورا فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثاء ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأمرهم في النهار بجمع الحطب ، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران ، فيوقد كل رجل نارا ، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى من المكان البعيد ، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان ما كبت اللّه به عدونا « 1 » فهنا ظاهر في أنهم كانوا خمسمائة رجل - واللّه أعلم - ويؤيد ذلك ما نقل من أخبار المثقلين بالجراح - قال الواقدي : جاء سعد بن معاذ رضي اللّه عنه والجراح في الناس فاشية ، عامة بني عبد الأشهل جريح ، بل كلهم - رضي اللّه عنهم ! فقال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأمركم أن تطلبوا عدوكم ، قال : يقول أسيد بن حضير رضي اللّه عنه وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها : سمعا وطاعة للّه ولرسوله ! فأخذ سلاحه ولم يعرج

--> ( 1 ) هذا الخبر ذكره بطوله الواقدي في مغازيه 1 / 336 - 338 وكذا ابن جرير في تفسيره عند سورة آل عمران : 172 . وذكر بعضه ابن هشام في سيرته 3 / 40 - 41 .