ابراهيم بن عمر البقاعي
170
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أجمع رأيكم على أن لا يخرج منكم أحد لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ أي في هذه الغزوة إِلى مَضاجِعِهِمْ أي التي هي مضاجعهم بالحقيقة وهي التي قتلوا بها ، لأن ما قدرناه لا يمكن أحدا دفعه بوجه من الوجوه ، ثم عطف على ما علم تقديره ودل عليه السياق قوله : لِيَبْتَلِيَ أي لبرز المذكورون لينفذ قضاؤه ويصدق قوله لكم في غزوة بدر : إن فاديتم الأسارى ولم تقتلوهم قتل منكم في العام المقبل مثلهم وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ أي المحيط بصفات الكمال بهذا الأمر التقديري ما فِي صُدُورِكُمْ أي من الإيمان والنفاق بأن يفعل في إظهاره من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فعل المختبر كما فعل بما وجد في هذه الغزوة من الأمور التحقيقية وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي يطهره ويصفيه من جميع الوساوس الصارفة عن المراقبة من محبة الدنيا من الغنائم التي كانت سبب الهزيمة وغيرها . وختم بقوله : وَاللَّهُ أي الذي له الإحاطة بكل شيء عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ * مرغبا ومرهبا ودافعا لما قد يتوهم من ذكر الابتلاء من عدم العلم بالخفايا . ولما كانوا في هذه الغزوة قد حصل لهم ضرر عظيم ، لكنه كان بما وقع من بعضهم من الخلل الظاهر فأدبهم بذلك ، عفا عنهم سبحانه وتعالى بعد ذلك التأديب ورحمهم وطيب قلوبهم بهذه الآية بما فيها من التأمين صريحا ، وبما فيها من الإشارة بجمع جميع حروف المعجم فيها تلويحا إلى أن أمرهم لا بد أن يتم كما تمت الحروف في هذه الآية ، لكنه افتتحها بأداة التراخي إشارة إلى أنه لا يكون إلا بعد مدة مديدة حتى تصقل مرائي الصدور التي ختمها بها بخلاف ما في الآية الأخرى الجامعة للحروف في آخر سورة الفتح التي نزلت في الحديبية التي ساءهم رجوعهم منها دون وصولهم إلى قصدهم - كما يأتي إن شاء اللّه سبحانه وتعالى . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 155 إلى 157 ] إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 155 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 156 ) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 157 ) ولما كان فيه مع ذلك معنى التعليل والتنبيه على أنه غني عن الاختبار ، خبير بدقائق الأسرار أتبعه قوله مستأنفا لبيان ما هو من ثمرات العلم : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ أي عن القتال ومقارعة الأبطال يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ أي من المؤمنين والكفار إِنَّمَا