ابراهيم بن عمر البقاعي

17

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الصلاة والسّلام قال - وقد أمره إبليس أن يجرب قدره عند اللّه بأن يطرح نفسه من شاهق : مكتوب : لا تجرب الرب إلهك ، وقال - وقد أمره أن يسجد له : مكتوب : للرب إلهك اسجد ، وإياه وحده اعبد ، وصرح أن اللّه سبحانه وتعالى واحد في غير موضع ؛ وفي إنجيل لوقا أنه دفع إلى المسيح سفر أشعيا النبي فلما فتحه وجد الموضع الذي فيه مكتوب : روح الرب عليّ ، من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأبشر بالسنة المقبولة للرب ، والأيام التي أعطانا إلهنا ، ثم طوى السفر ودفعه إلى الخادم ؛ وفيه وفي غيره من أناجيلهم : من قبل هذا فقد قبلني ، ومن قبلني فقد قبل الذي أرسلني ، ومن سمع منكم فقد سمع مني ، ومن جحدكم فقد جحدني ، ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني ومن أنكرني قدام الناس أنكرته قدام الناس ، أنكرته قدام ملائكة اللّه ، وفي إنجيل يوحنا أنه قال عن نفسه عليه الصلاة والسّلام : الذي أرسله اللّه إنما ينطق بكلام اللّه لأنه ليس بالكيس ، أعطاه اللّه الروح ، وقال : وقد سأله تلاميذه أن يأكل فقال لهم : طعامي أن أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله ؛ وفيه في موضع آخر : الحق الحق أقول لكم ! إن من يسمع كلامي وآمن بمن أرسلني وجبت له الحياة المؤبدة ، لست أقدر أعمل شيئا من ذات نفسي ، وإنما أحكم بما أسمع ، وديني عدل لأني لست أطلب مسرتي بل مسرة من أرسلني ؛ وفي إنجيل مرقس أنه قال لناس : تعلمتم وصايا الناس وتركتم وصايا اللّه ، وزجر بعض من اتبعه فقال : اذهب يا شيطان ! فإنك لم تفكر في ذات اللّه ، وتفكر في ذات الناس ؛ فقد جعل اللّه إلهه وربه ومعبوده ، واعترف له بالوحدانية وجعل ذاته مباينا لذات الناس الذي هو منهم ؛ وفي جميع أناجيلهم نحو هذا ، وأنه كان يصوم ويصلي للّه ويأمر تلاميذه بذلك ، ففي إنجيل لوقا أنهم قالوا له : يا رب ! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه ، فقال لهم : إذا صليتم فقولوا : أبانا الذي في السماوات يتقدس اسمك ! كفافنا أعطنا في كل يوم ، واغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه ، ولا تدخلنا في التجارب ، لكن نجنا من الشرير ؛ ولما دخل الهيكل بدأ يخرج الذين يبيعون ويشترون فيه ، فقال لهم : مكتوب أن بيتي هو بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مفازة اللصوص ! فعلم من هذا كله أن إطلاق اسم الرب عليه لأن اللّه سبحانه وتعالى أذن له أن يفعل بعض أفعاله التي ليست في قدرة البشر ، والرب يطلق على السيد أيضا ، كما قال يوسف عليه الصلاة والسّلام : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [ يوسف : 42 ] . ثم وجدت في أوائل إنجيل يوحنا أن الرب تأويله العلم ، ولو ردوا أيضا الأب والابن إلى هذا المحكم وأمثاله - وهي كثيرة في جميع أناجيلهم - لعلموا بلا شبهة أن معناه أن اللّه سبحانه وتعالى يفعل معه ما يفعل الوالد مع ولده من التربية والحياطة والنصرة والتعظيم والإجلال ، كما لزمهم حتما أن يأولوا قوله