ابراهيم بن عمر البقاعي

166

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

مؤمنين ، عطف عليه قوله : بَلِ اللَّهُ أي الملك الأعظم مَوْلاكُمْ مخبرا بأنه ناصرهم وأن نصره لا يساويه نصر أحد سواه بقوله : وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * أي لأن من نصره سبب له جميع أسباب النصر وأزال عنه كل أسباب الخذلان ، فمنع غيره - كائنا من كان - من إذلاله ، ثم قرر ذلك بقوله محققا للوعد : سَنُلْقِي أي بعظمتنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ أي المقتضي لامتثال ما أمر به من الجرأة عليهم وعدم الوهن في أمرهم ، كما افتتح القصة بالإيماء إلى ذلك بالأمر بالسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين ، ثم بين سبب ذلك فقال : بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ أي ليعلموا قطعا أنه لا ولي لعدوه لأنه لا كفوء له ، وبين بقوله : ما لَمْ يُنَزِّلْ أي في وقت من الأوقات بِهِ سُلْطاناً أنه لا حجة لهم في الإشراك ، وما لم ينزل به سلطانا فلا سلطان له ، ومادة سلط ترجع إلى القوة ، ولما كان التقدير : فعليهم الذل في الدنيا لاتباعهم ما لا قوة به ، عطف عليه : وَمَأْواهُمُ النَّارُ ثم هوّل أمرها بقوله : وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * أي هي ، وأظهر في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف . ولما كانت السين في سَنُلْقِي مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى ، فنفى هذا الوهم محققا لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى - عطفا على قوله : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا [ آل عمران : 125 ] ، مصرحا بما لوح إليه تقديرا قبل وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ [ آل عمران : 123 ] كما مضى - : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ أي في قوله وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ [ آل عمران : 120 ] إِذْ تَحُسُّونَهُمْ أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة التي هيأها لكم بِإِذْنِهِ فإن الحس بالفتح : القتل والاستئصال - قاله في القاموس . ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون رادعا لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبينا لغاية الحس : حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي ، فكيف بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي ! فلو كانت العرب على حال جاهليتها تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم - كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر : هلا سألت الخيل يا ابنة مالك * إن كنت جاهلة بما لم تعلمي إذ لا أزال على رحالة سابح * نهد تعاوره الكماة مكلم طورا يعرض للطعان وتارة * يأوي إلى حصد القسي عرمرم يخبرك من شهد الوقيعة أنني * أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم