ابراهيم بن عمر البقاعي
163
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ أي وهم الثابتون شكرا على إحسانه إليهم من غير أن يشغلهم شاغل عن الجهاد . ولما كان قصد الجزاء غير قادح في الإخلاص منه من اللّه تعالى علينا قال : نُؤْتِهِ ونبه على أن العمل لذات اللّه من غير نظر إلى ثواب ولا عقاب أعلى فقال : مِنْها أي وسنجزيه لشكره ، وهو معنى قوله : وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * لكنه أظهر لتعليق الحكم بالوصف وعمم . ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الجمل على هذا الوجه الذي بين فيه العلل ، وأوضح بحال الزلل ، وكان التقدير بعد انقضائها : فكأين من قوم أمرناهم بالجهاد ، فكانوا على هذين القسمين ، فأثبنا الطائع وعذبنا العاصي ، ولم يضرنا ذلك شيئا ، ولا جرى شيء منه على غير مرادنا ، عطف عليه يؤسيهم بطريق الصالحين من قبلهم ويسيلهم بأحوالهم قوله : وَكَأَيِّنْ وهي بمعنى كم ، وفيها لغات كثيرة ، قرىء منها في العشر بثنتين : الجمهور بفتح الهمزة بعد الكاف وتشديد الياء المكسورة ، وابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وهمزة مكسورة ، ولعلها أبلغ - لأنه عوض عن الحرف المحذوف - من المشهورة بالمد ، والمد أوقع في النفس وأوقر في القلب ؛ وفيها كلام كثير - في لغاتها ومعناها وقراءاتها المتواترة والشاذة وصلا ووقفا ، ورسمها في مصحف الإمام عثمان بن عفان رضي اللّه عنه الذي وقع إجماع الصحابة عليه ليكون المرجع عند الاختلاف إليه ، وهل هي بسيطة أو مركبة ومشتقة أو جامدة وفي كيفية التصرف في لغاتها - استوعبته في كتابي الجامع المبين لما قيل في كَأَيِّنْ ، وقال سبحانه : مِنْ نَبِيٍّ لتكون التسلية أعظم بذكر ما هو طبق ما وقع في هذه الغزوة من قتل أصحابه ، واحتمال العبارة لقتله نفسه بقوله : قُتِلَ أي ذلك النبي حال كونه مَعَهُ لكن الأرجح إسناد قُتِلَ إلى رِبِّيُّونَ لموافقته قراءة الجماعة - سوى الحرميين وأبي عمرو - : قاتل معه رِبِّيُّونَ أي علماؤهم ورثة الأنبياء ، وعلى منهاجهم كَثِيرٌ فَما أي فما تسبب عن قتل نبيهم وهنهم ، أو يكون المعنى ويؤيده الوصف بالكثرة - : قتل الربيون ، فما تسبب عن قتلهم أن الباقين بعدهم وَهَنُوا أي ضعفوا عن عملهم لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي الملك الأعظم من القتل لنبيهم الذي هو عمادهم ، أو لإخوانهم الذين هم أعضادهم لكونه من اللّه وَما ضَعُفُوا أي مطلقا في العمل ولا في غيره وَمَا اسْتَكانُوا أي وما خضعوا لأعدائهم فطلبوا أن يكونوا تحت أيديهم - تعريضا بمن قال : اذهبوا إلى أبي عامر الراهب ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان ، بل صبروا ، فأحبهم اللّه لصبرهم وَاللَّهُ أي الذي له صفات الكمال يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * أي فليفعلن بهم من النصر وإعلاء القدر وجميع أنواع الإكرام فعل من يحبه .