ابراهيم بن عمر البقاعي
159
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
سُنَنٌ أي وقائع سنها اللّه في القرون الماضية والأمم الخالية في المؤمنين والمكذبين ، وأحوال وطرائق كانت للفريقين ، فتأسوا بالمؤمنين وتوقعوا لأعدائكم مثل ما للمكذبين ، فانظروا وأنعموا التأمل في أحوال الفريقين وإن لم يحصل ذلك إلا بالسير في الكد والتعب الشديد فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي للاتعاظ بأحوال تلك الأمم برؤية آثارهم لتضموا الخير إلى الخير ، وتعتبروا من العين بالأثر ، وتقرنوا بين النقل والنظر . ولما كان الرجوع عن الهفوة واجبا على الفور عقب بالفاء قوله : فَانْظُروا أي نظر اعتبار ، ونبه على عظمة المنظور فيه بأنه أهل لأن يستفهم عنه لأنه خرج عن العوائد فتعاظم إشكاله فقال : كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ أي آخر أمر الْمُكَذِّبِينَ * . ولما تكفلت هذه الجمل بالهداية إلى سعادة الدارين نبه على ذلك سبحانه وتعالى بقوله على طريق الاستفتاح : هذا بَيانٌ أي يفيد إزالة الشبه لِلنَّاسِ أي المصدقين والمكذبين وَهُدىً أي إرشاد بالفعل وَمَوْعِظَةٌ أي ترقيق لِلْمُتَّقِينَ * . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 139 إلى 143 ] وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 ) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 ) ولما أمرهم بالمسارعة وأتبعها علتها ونتيجتها نهاهم عما يعوق عنها من قبل الوهن الذي عرض لهم عند رؤيتهم الموت فقال - ويجوز أن يعطف على ما تقديره : فتبينوا واهتدوا واتعظوا إن كنتم متقين ، وانظروا أخذنا لمن كان قبلكم من أهل الباطل وإن كان لهم دول وصولات ومكر وحيل - : وَلا تَهِنُوا أي في جهاد أعدائكم الذين هم أعداء اللّه ، فاللّه معكم عليهم ، وإن ظهروا يوم أحد نوع ظهور فسترون إلى من يؤول الأمر وَلا تَحْزَنُوا أي على ما أصابكم منهم ولا على غيره مما عساه ينوبكم وَ الحال أنكم أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أي في الدارين إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * أي إن كان الإيمان - وهو التصديق بكل ما يأتي عن اللّه - لكم صفة راسخة ، فإنهم لا يهنون ؛ لأنكم بين إحدى الحسنيين - كما لم يهن من سيقص عليكم نبأهم ممن كانوا مع الأنبياء قبلكم لعلوكم عدوكم ، أما في الدنيا فلأن دينكم حق ودينهم باطل ، ومولاكم العزيز الحكيم الذي قد وعدكم الحق الملك الكبير لمن قتل ، والنصر والتوزر لمن بقي ، وهو حي قيوم ، ولا