ابراهيم بن عمر البقاعي
147
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
اللَّهُ بما له من صفات الجلال والجمال بِبَدْرٍ المشار إليها أول السورة بقوله تعالى : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا [ آل عمران : 13 ] لما صبرتم واتقيتم . ولما كانوا في عدد يسير أشار إليه بجمع القلة فقال : وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أي فاذكروا ذلك واجعلوه نصب أعينكم لينفعكم ، وكان الإتيان بأمر بدر بعد آية الفشل المختتمة بالحث على التوكل في الغاية من حسن النظم ، وهو دليل أيضا على منطوق قوله تعالى : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [ آل عمران : 120 ] كما كان أمر أحد دليلا على منطوقها ومفهومها معا : دل على منطوقها بنصرهم أول النهار عند صبرهم ، وعلى مفهومها بإدالة العدو عليهم عند فشلهم آخره - واللّه الموفق ؛ على أنك إذا أنعمت التأمل في قصة أحد من السير وكتب الأخبار علمت أن الظفر فيها ما كان إلا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما سيأتي الخبر به في قوله تعالى : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [ آل عمران : 52 ] ، فإن الصحابة رضي اللّه عنهم هزموهم - كما مضى - في أول النهار حتى لم يبق في عسكرهم أحد ، ولا بقي عند نسائهم حام ، فلما خالف الرماة أمره صلّى اللّه عليه وسلّم وأقبلوا على الغنيمة أراد اللّه تأديبهم وتعريفهم أن نصرته لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم غير محتاجة في الحقيقة إليهم حين انهزموا حتى لم يبق مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منهم غير نفر يسير ما يبلغون الخمسين ، والكفار ثلاثة آلاف وخيلهم مائتان ، فاستمر عليه الصلاة والسّلام في نحورهم يحاولهم ويصاولهم ، يرامونه مرة ويطاعنون أخرى ، ويجتمعون عليه كرة ويفترقون عنه أخرى ، واللّه تعالى يمنعه منهم بأيده ويحفظه بقوته حتى تدلت الشمس للغروب ، وقتل بيده صلّى اللّه عليه وسلّم أبي بن خلف مبارزة « 1 » ، تصديقا لما كان أوعده به قبل الهجرة ، وخالطوه غير مرة ولم يمكنهم اللّه منه ولا أقدرهم على أسر أحد من أصحابه ، ثم ردهم خائبين بعد أن تراجع إليه أصحابه في أثناء النهار ، ولم يرجع صلّى اللّه عليه وسلّم من أحد إلا بعد انصرافهم ودفن من استشهد من أصحابه ، وأما هم فاستمروا راجعين ولم يلووا على أحد ممن قتل منهم ، وهم اثنان وعشرون رجلا من سرواتهم وحمال راياتهم ، وقال الجلال الخجندي « 2 » في كتابه فردوس المجاهدين : إنه صح النقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : ما نصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في موطن من المواطن نصرته في يوم أحد - انتهى . وكفى على ذلك دليلا ما نقل موسى بن عقبة « 3 » - وسيرته أصح السير في غزوة الفتح - عن قائد الجيش بأحد أبي سفيان بن حرب أنه قال عندما عرض عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الإسلام : يا محمد ! قد استنصرت
--> ( 1 ) قصة مقتل أبيّ بن خلف ذكرها ابن هشام في سيرته 3 / 24 بلا سند . ( 2 ) هو الإمام العالم جلال الدين أحمد بن محمد الخجندي الحنفي المتوفى بالمدينة المنورة سنة 803 . ( 3 ) هو الإمام العالم موسى بن عقبة مولى الزبير .