ابراهيم بن عمر البقاعي

127

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

على الإسلام فلم يكن في جبلته شيء من العوج فلم يكن له دين غير الإسلام نفى الكون فقال : وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي بعزيز ولا غيره من الأكابر كالأحبار الذين تقلدونهم مع علمكم بأنهم يدعون إلى ضد ما دعا إليه سبحانه وتعالى . ولما ألزمهم سبحانه وتعالى بالدليل الذي دل على النسخ أنهم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، وأوجب عليهم اتباعها بعد بيان أنها هي ما عليه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأتباعه ، أخبر عن البيت الذي يخول إليه التوجه في الصلاة ، فعابوه على أهل الإسلام أنه أعظم شعائر إبراهيم عليه الصلاة والسّلام التي كفروا بتركها ، ولذلك أبلغ في تأكيده فقال سبحانه وتعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ أي من البيوت الجامعة للعبادة وُضِعَ لِلنَّاسِ أي على العموم متعبدا واجبا عليهم قصده وحجه بما أمرهم به على لسان موسى عليه الصلاة والسّلام ، واستقباله في الصلاة بما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك ، ولعل بناء وضع ، للمفعول إشارة إلى أن وضعه كان قبل إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لَلَّذِي بِبَكَّةَ أي البلدة التي تدق أعناق الجبابرة ، ويزدحم الناس فيها إزدحاما لا يكون في غيرها مثله ولا قريب منه ، فلا بد أن يدق هذا النبي الذي أظهرته منها الأعناق من كل من ناواه ، ويزدحم الناس على الدخول في دينه ازدحاما لم يعهد مثله ، فإن فاتكم ذلك ختم في الدارين غاية الخيبة ودام ذلكم وصغاركم ؛ حال كونه مُبارَكاً أي عظيم الثبات كثير الخيرات في الدين والدنيا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ * أي من بني إسرائيل ومن قبلهم ومن بعدهم ، فعاب عليهم سبحانه وتعالى في هذه الآية فعلهم من النسخ ما أنكروه على مولاهم . وذلك نسخهم لما شرعه من حجة من عند أنفسهم تحريفا منهم مثالا لما قدم من الإخبار به عن كذبهم ، وهذا أمر شهير يسجل عليهم بالمخالفة ويثبت للمؤمنين المؤالفة ، فإن حج البيت الحرام وتعظيمه من أعظم ما شرعه إبراهيم عليه الصلاة والسّلام - كما هو مبين في السير وغيرها وهم عالمون بذلك ، وقد حجه أنبياؤهم عليهم الصلاة والسّلام وأسلافهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وأتباعهم - كما روي من غير طريق عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أن في بعض الطرق أنه كان مع موسى عليه الصلاة في حجة إليه سبعون ألفا من بني إسرائيل « 1 » ، ومن المحال عادة أن يخفى ذلك عليهم ، ومن الأمر الواضح أنهم قد تركوا

--> ( 1 ) لم أره بهذا اللفظ . وهو عنه أبي يعلى 4275 من حديث أنس « لقد مرّ بالصخرة من الرّوحاء سبعون نبيا حفاة عليهم العباءة يؤمّون البيت العتيق منهم موسى نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » وإسناده واه فيه سعيد بن ميسرة قال البخاري : منكر الحديث وكذبه الحاكم وابن حبان واكتفى الهيثمي في المجمع 3 / 220 بأنه ضعيف . وأخرجه أبو يعلى 5093 من حديث ابن مسعود بنحوه وإسناده ضعيف لضعف يزيد بن -