ابراهيم بن عمر البقاعي

112

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لمن قال له : قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك « قل : آمنت باللّه ثم استقم » « 1 » انتهى . ثم خص بالنفي من عرفوا بالشرك مع الصلاح لكل من داخله شرك من غيرهم كمن أشرك بعزير والمسيح عليهما الصلاة والسّلام فقال : وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وفي ذكر وصفي الإسلام والحنف تعريض لهم بأنهم في غاية العناد والجلافة واليبس في التمسك بالمألوفات وترك ما أتاهم من واضح الأدلة وقاطع الحجج البينات . ولما نفي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم كل زيغ بعد أن نفي عنه أن يكون على ملة هو متقدم عن حدوثها شرع في بيان ما يتم به نتيجة ما مضى ببيان من هو أقرب إليه ممن جاء بعده ، فقرر أن الأولى به إنما هو من اتبعه في أصل الدين ، وهو التوحيد والتنزيه الذي لم يختلف فيه نبيان أصلا ، وفي الانقياد للدليل وترك المألوف من غير تلعثم حتى صاروا أحقاء بالإسلام الذي هو وصفه بقوله سبحانه وتعالى مؤكدا ردا عليهم وتكذيبا لمحاجتهم : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ أي أقربهم وأحقهم بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أي في دينه من أمته وغيرهم ، لا الذين ادعوا أنه تابع لهم ، ثم صرح بهذه الأمة فقال : وَهذَا النَّبِيُّ أي هو أولى الناس به وَالَّذِينَ آمَنُوا أي من أمته وغيرهم وإن كانوا في أدنى درجات الإيمان وَاللَّهُ أي بما له من صفات الكمال - وليهم ، هذا الأصل ، ولكنه قال : وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ * ليعم الأنبياء كلهم وأتباعهم من كل فرقة ، ويعلم أن الوصف الموجب للتقريب العراقة في الإيمان ترغيبا لمن لم يبلغه في بلوغه . ولما كان قصد بعضهم بدعواه أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام على دينه إنما هو إضلال أهل الإسلام عقب ذلك بالإعراب عن مرادهم بقوله تعالى - جوابا لمن كأنه قال : فما كان مراد أهل الكتابين بدعواهم فيه مع علمهم أن ذلك مخالف لصريح العقل ؟ وَدَّتْ طائِفَةٌ أي من شأنها أن تطوف حولكم طواف التابع المحب مكرا وخداعا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ حسدا لكم لَوْ يُضِلُّونَكُمْ بالرجوع إلى دينهم الذي يعلمون أنه قد نسخ وَما أي والحال أنهم ما يُضِلُّونَ بذلك التمني أو الإضلال لو وقع إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن كلّا من تمنيهم وإضلالهم ضلال لهم مع أنهم لا يقدرون أن يضلوا من هداه اللّه ، فمن تابعهم على ضلالهم فإنما أضله اللّه وَما يَشْعُرُونَ * أي وليس يتجدد لهم في

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 38 والترمذي 2410 والنسائي في الكبرى 11489 وابن ماجة 3972 والطبراني 6396 ، 6397 وابن حبان 942 والطيالسي 1231 وأحمد 3 / 413 كلهم من سفيان بن عبد اللّه الثقفي .