ابراهيم بن عمر البقاعي

11

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما علم بذلك أمر القيوم سبحانه وتعالى بالحق وهو الإيمان علم أن لمخالفي أمره من أضداد المؤمنين الموصوفين - وهم الكفرة المدعو بخذلانهم المنزل الفرقان لمحو أديانهم - الويل والثبور ، فاتصل بذلك بقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي غطوا ما دلتهم عليه الفطرة الأولى التي فطرهم اللّه سبحانه وتعالى عليها ، ثم ما بينت لهم الرسل عليهم الصلاة والسّلام عنه سبحانه وتعالى من البيان الذي لا لبس معه بِآياتِ اللَّهِ المستجمع لصفات الكمال إقبالا منهم على ما ليس له أصلا صفة كمال ، وهذا الكفر - كما قال الحرالي - دون الكفر بأسماء اللّه الذي هو دون الكفر باللّه ، قال : فكما بدأ خطاب التنزيل من أعلاه نظم به ابتداء الكفر من أدناه - انتهى . لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ كما تقتضيه صفتا العزة والنقمة ، وفي وصفه بالشدة إيذان بأن من كفر دون هذا الكفر كان له مطلق عذاب . قال الحرالي : ففي إشعاره أن لمن داخله كفر ما حط بحسب خفاء ذلك الكفر ، فأفصح الخطاب بالأشد وألاح بالأضعف - انتهى . والآية على تقدير سؤال ممن كأنه قال : ما ذا يفعل بمن أعرض عن الكتب الموصوفة ؟ أو يقال : إنه لما قال : وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [ آل عمران : 4 ] أي الفارق بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك وعلى غيرك من الأنبياء لم يبق لأحد شبهة فقال : وأحسن من ذلك كله أنه سبحانه وتعالى لما أنزل سورة البقرة على طولها في بيان أن الكتاب هدى للمتقين ، وبين أن أول هذه وحدانيته وحياته وقيوميته الدالة على تمام العلم وشمول القدرة ، فأنتج ذلك صدق ما أخبر به سبحانه وتعالى ، أيد ذلك بالإعلام بأن ذلك الكتاب مع أنه هاد إليه حق ، ودل على ذلك لمصادقته لما قبله من الكتب . ولما ختم أوصافه بأنه فرقان لا يدع لبسا ولا شبهة أنتج ذلك قطعا أن الذين قدم أول تلك أنهم أصروا على الكفر به خاسرون ، فأخبر سبحانه وتعالى بما أعد لهم من العذاب فقال : إِنَّ الَّذِينَ مؤكدا مظهرا لما كان من حقه الإضمار ، لولا إرادة تعليق الحكم بالوصف وهو الكفر أي الستر لما تفضل عليهم به من الآيات ؛ ثم قرر قدرته على ما هدد به وعبر به فقال - عاطفا على ما أرشد السياق مع العطف على غير مذكور إلى أنه : فاللّه سبحانه وتعالى عالم بما له من القيومية بجميع أحوالهم - : وَاللَّهُ أي الملك العظيم مع كونه رقيبا عَزِيزٌ لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء ذُو انْتِقامٍ * أي تسلط وبطش شديد بسطوة . قال الحرالي : فأظهر وصف العزة موصولا بما أدام من انتقامه بما يعرب عنه كلمة ذو المفصحة بمعنى صحبة ودوام ، فكأن في إشعاره دواما لهذا الانتقام بدوام أمر الكتاب الجامع المقابل علوه لدنو هذا الكفر ، وكان في طي إشعار الانتقام أحد قسمي إقامة القيومية في طرفي النقمة والرحمة ، فتقابل هذان